ترجمات

هل يجلب تحقيق المحكمة الجنائية الدولية العدالة لفلسطين؟

رمزي بارود؛ ورومانا روبيو* – (ذا بالستاين كرونيكل) 29/6/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

حسمت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بناسودة، الشكوك حول اختصاص المحكمة في التحقيق في جرائم الحرب التي ارتُكبت في فلسطين المحتلة.

  • * *
    في الماضي، بُذلت محاولات عديدة لمحاسبة وإدانة مجرمي الحرب الإسرائيليين. ومن الجدير بالتذكُّر بشكل خاص حالة رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أرييل شارون (المعروف من بين ألقاب أخرى باسم “جزار صبرا وشاتيلا”) الذي حاول ضحاياه مقاضاته في محكمة بلجيكية في العام 2002.
    ولكن، مثل كل الجهود السابقة الأخرى، تم إسقاط القضية البلجيكية تحت الضغط الأميركي. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه.
    في 20 كانون الأول (ديسمبر)، قررت المدعي العام لمحكمة العدل الدولية، السيدة فاتو بنسودا، أن لديها ما يكفي من الأدلة للتحقيق في جرائم الحرب يُزعم أنه تم ارتكابها في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية وقطاع غزة. وخلص قرار المحكمة الجنائية الدولية غير المسبوق إلى أنه “لا توجد أسباب جوهرية للاعتقاد بأن التحقيق لن يخدم مصالح العدالة”.
    بمجرد أن اتخذت بنسودة قرارها، تحركت الإدارة الأميركية سريعاً -ولو بعد الكثير من التأخير- لعرقلة محاولة المحكمة محاسبة المسؤولين الإسرائيليين. وفي 11 حزيران (يونيو)، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أمر تنفيذي يقضي بفرض عقوبات على أعضاء الهيئة القضائية العالمية، مستشهداً بتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب الأميركية في أفغانستان وجرائم الحرب الإسرائيلية في فلسطين.
    هل ستنجح الولايات المتحدة مرة أخرى في عرقلة تحقيق دولي آخر؟
    في 19 حزيران (يونيو)، تحدثنا مع د. تريستينو مارينيللو، عضو الفريق القانوني الذي يمثل ضحايا غزة أمام المحكمة الجنائية الدولية. ومارينيلو أيضًا محاضر أول في جامعة جون مور في ليفربول، المملكة المتحدة.
  • كان هناك الكثير من الشك حول ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية جادة، أو راغبة، أو قادرة على المضي قدُماً بهذه القضية. وفي وقت لاحق، أثيرت أسئلة فنية بشأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن فلسطين المحتلة. هل تخطينا هذه الشكوك؟
    • في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قررت المدعي العام أن تطرح على الدائرة التمهيدية، مجلس ما قبل المحاكمة، السؤال الآتي: “هل للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص، بمعنى: هل أن فلسطين دولة بموجب نظام روما الأساسي -ليس، بشكل عام، بموجب القانون الدولي، ولكن على الأقل بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هو الاختصاص الإقليمي للمحكمة؟
    وجادلت المدعي العام بأن المحكمة لديها اختصاص بشأن الجرائم التي ارتكبت في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وكذلك قطاع غزة. وقالت إن هذا الطلب المقدم إلى الدائرة التمهيدية لم يكن ضروريًا، لسبب بسيط للغاية: لأن دولة فلسطين هي التي تحيل إلى الوضع. ولذلك، عندما تحيل دولة طرف في قضية إلى المدعي العام للمحكمة، فإنه لا يحتاج إلى إذن من الهيئة التمهيدية. ولكن، دعونا نحلل الأمور في سياق أوسع.
    بدأت المشاركة الرسمية لدولة فلسطين مع المحكمة الجنائية الدولية في العام 2009، بعد حرب غزة (عملية الرصاص المصبوب). وفي ذلك الوقت، كانت فلسطين قد قبِلت مُسبقاً باختصاص المحكمة الجنائية الدولية. واستغرق الأمر المدعي العام السابق أكثر من عامين ليقرر ما إذا كانت فلسطين دولة أم لا. وبعد ثلاث سنوات، قال: لا نعرف ما إذا كانت فلسطين دولة، لذلك لا نعرف ما إذا كان بإمكاننا قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وبعد ذلك، أثير هذا السؤال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وجمعية الدول الأطراف. وبعبارة أخرى، تم تفويض الجواب للهيئات السياسية، وليس الدائرة التمهيدية. ولم يجر ذلك التحقيق قط ولم نحقق العدالة لضحايا تلك الحرب.
    في العام 2015، قبلت فلسطين اختصاص المحكمة، وأصبحت أيضًا دولة طرفاً في جمعيتها. ومع ذلك، قررت الدائرة التمهيدية إشراك عدد من الدول، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، والعلماء، والخبراء، لتطرح عليهم السؤال الآتي: هل فلسطين دولة بموجب نظام روما الأساسي؟ وكان الرد: ستبت الدائرة التمهيدية في هذا، بعد أن تتلقى آراء الضحايا والدول ومنظمات المجتمع المدني… وستقرر في الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة.
  • بعيداً عن إدارة ترامب، تضغط دول غربية أخرى، مثل ألمانيا وأستراليا، في المحكمة الجنائية الدولية لإسقاط التحقيق تمامًا. هل ستنجح؟
    • هناك ثماني دول على الأقل تعارض علناً التحقيق في الوضع الفلسطيني. ألمانيا واحدة. وبعض الدول الأخرى كانت بمثابة المفاجأة، لكي نكون صادقين، لأن أربع دول أخرى على الأقل، أوغندا، البرازيل، جمهورية التشيك، وهنغاريا، كانت قد اعترفت صراحة بأن فلسطين هي دولة بموجب القانون الدولي، لكنها تقدم الآن إفادات أمام الهيئة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تقول فيها إن هذا لم يعد صحيحاً بعد الآن.
    بطبيعة الحال، القضية أكثر تعقيدًا بعض الشيء، ولكن الجوهر هو أن هذه الدول تثير أمام المحكمة الجنائية الدولية حججاً ليس لها أساس قانوني. من المثير للدهشة أن هذه الدول تدعي، من ناحية، أنها يؤيد محكمة جنائية دولية مستقلة، لكنها تحاول من ناحية أخرى ممارسة ضغط سياسي (على تلك الهيئة القانونية نفسها).
  • في 11 حزيران (يونيو)، وقّع ترامب أمراً تنفيذياً فرض فيه عقوبات على الأفراد المرتبطين بالمحكمة الجنائية الدولية.
    هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها عرقلة تحقيق المحكمة الجنائية الدولية؟
    • الجواب “لا”. تضغط إدارة ترامب على المحكمة الجنائية الدولية. وبالضغط، نُحيلُ بشكل رئيسي إلى الوضع في أفغانستان، وكذلك إلى الوضع الإسرائيلي الفلسطيني. ولذلك، في كل مرة يكون هناك تصريح من ترامب أو وزير خارجيته، مايك بومبيو، فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، فإنهما لا ينسيان أبدًا ذكر قضية أفغانستان.
    في الواقع، تحقق المدعي العام أيضًا في جرائم حرب مزعومة ارتكبها أعضاء وكالة المخابرات المركزية والجنود الأميركيون. وحتى الآن، لم يكن هذا الضغط فعالاً بشكل خاص. وفي حالة أفغانستان، أذنت هيئة الاستئناف بالمحكمة للمدعي العام مباشرة ببدء تحقيق، بعد تعديل قرار اتخذته الدائرة التمهيدية.
    لم تكن الإدارات الأميركية المتعاقبة داعمة كثيراً للمحكمة الجنائية الدولية، وكانت المشكلة الرئيسية في روما عندما تمت صياغة النظام الأساسي في العام 1998 تتعلق بشكل خاص بدور المدعي العام. وقد عارضت الولايات المتحدة، منذ البداية، منح دور مستقل للمدعي العام، حيث يمكنه بدء تحقيق من دون إذن من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتعود هذه المعارضة في الزمن وراء إلى إدارات كلينتون وبوش وأوباما بالإضافة إلى إدارة ترامب.
    مع ذلك، نحن نشهد الآن وضعًا غير مسبوق، مع استعداد الإدارة الأميركية لإصدار عقوبات اقتصادية وفرض قيود على التأشيرات للأفراد المرتبطين بالمحكمة الجنائية الدولية، وربما منظمات أخرى أيضًا.
  • تحتوي المادة 5 من نظام روما الأساسي -الوثيقة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية- على تعريف موسع لما يشكل “جرائم خطيرة”، باعتبارها جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. ويمكن القول عندئذٍ إنه يجب محاسبة إسرائيل على كل هذه “الجرائم الخطيرة”. ومع ذلك، اختارت المحكمة الجنائية الدولية ما يُعرف بـ”النطاق الضيق”، وبالتالي فإن التحقيق سينظر فقط في المكون المفرد، جرائم الحرب. لماذا يحدث هذا؟
    • إذا نظرنا في طلب المدعي العام إلى الدائرة التمهيدية، ولا سيما الفقرة 94، فإن نطاق التحقيق جاء، بطريقة مفاجئة، ضيقاً للغاية. إنه يشمل فقط (كجزء من التحقيق في جرائم الحرب) بعض الحوادث المتعلقة بحرب غزة في العام 2014، والجرائم المرتكبة في سياق “مسيرة العودة الكبرى”، والمستوطنات اليهودية (غير القانونية).
    من المثير للدهشة عدم رؤية أي إشارة إلى ارتكاب مزعوم لـ”جرائم ضد الإنسانية”، والتي هي، كما يقول الضحايا، موثقة على نطاق واسع. ولا توجد إشارة إلى الهجمات المنهجية التي نفذتها السلطات الإسرائيلية ضد السكان المدنيين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، أو في غزة. “النطاق الضيق”، الذي يستبعد الجرائم ضد الإنسانية، هو شيء يجب على المدعي العام أن تعيد النظر فيه. لقد تم تجاهل الوضع العام في غزة إلى حد كبير؛ لا توجد أي إشارة إلى الحصار المستمر منذ 14 عامًا؛ ولا توجد إشارة إلى إجمالي ضحايا حرب غزة في العام 2014.
    ومع ذلك، فإن نطاق التحقيق الحالي غير ملزم للمستقبل بالضرورة. يمكن للمدعي العام أن تقرر، في أي لحظة، إدراج جرائم أخرى. ونأمل بأن يحدث ذلك، وإلا فإن الكثير من الضحايا لن يحصلوا على العدالة أبداً.
  • ولكن لماذا يتم استبعاد غزة؟ هل هو بسبب الطريقة التي قدم بها الفلسطينيون القضية، أم الطريقة التي فسرت بها المحكمة الجنائية الدولية القضية الفلسطينية؟
    • لا أعتقد أنه يجب إلقاء اللوم على الفلسطينيين، لأن المنظمات الفلسطينية قدمت (كمية هائلة) من الأدلة. أعتقد أن ذلك هو جزء من استراتيجية للملاحقة القضائية في هذه المرحلة، ونأمل أن يتغير هذا في المستقبل، خاصة فيما يتعلق بالوضع في غزة، حيث تم تجاهل العدد الإجمالي للضحايا. وقد قُتِل أكثر من 1.600 مدني هناك، بينهم نساء وأطفال.
    في رأيي الشخصي، هناك العديد من الإحالات إلى مفهوم الصراع نفسه. تعتمد كلمة “صراع” على افتراض أن هناك طرفين يتقاتلان على نفس المستوى وليس هناك اهتمام كافٍ يُوجه إلى الاحتلال الإسرائيلي نفسه.
    بالإضافة إلى ذلك، لم يتم إدراج جميع الجرائم المرتكبة ضد الأسرى الفلسطينيين، مثل التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة. كما أن الفصل العنصري ليس متضمناً في القضية كجريمة ضد الإنسانية. مرة أخرى، هناك أدلة هائلة على أن هذه الجرائم تُرتكب ضد الفلسطينيين. نأمل أن يكون هناك نهج مختلف في المستقبل.
  • أطلِعنا على السيناريوهات والجداول الزمنية المختلفة التي يمكن أن تنتج عن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية. ما الذي يمكن أن نتوقعه؟
    • أعتقد أننا، إذا نظرنا إلى السيناريوهات المحتملة من منظور قانون روما الأساسي -القانون الملزم- فلا أعتقد أن لدى القضاة أي خيار آخر سوى التأكيد للمدعي العام أن فلسطين هي دولة بموجب نظام روما الأساسي، وأن السلطة القضائية الإقليمية للمحكمة تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة.
    سوف أكون مندهشاً للغاية إذا توصل القضاة إلى أي استنتاج آخر. لقد تمت المصادقة على الدولة الفلسطينية في العام 2015، لذلك لا يمكنك أن تعود إلى الفلسطينيين وتقول لهم: لا، أنتم لستم عضواً بعد الآن. في غضون ذلك، شاركت فلسطين في جمعية الدول الأطراف، وهي عضو في لجنة الإشراف على المحكمة الجنائية الدولية، وشاركت في اتخاذ قرارات مهمة أيضاً.
    المرجح هو أن تتلقى المدعي العام الضوء الأخضر من الدائرة التمهيدية. وإذا لم يحدث ذلك، سيظل بإمكان المدعي العام أن تمضي قدمًا في التحقيق.
    لا يمكن أن تكون السيناريوهات المحتملة الأخرى سوى سلبية فحسب، لأنها تحول دون حصول الضحايا على أي عدالة. وسبب وجود القضية في المحكمة الجنائية الدولية هو أن هؤلاء الضحايا لم يحظوا أبداً بأي عدالة أمام المحاكم المحلية: دولة فلسطين غير قادرة على محاكمة المواطنين الإسرائيليين، في حين أن السلطات الإسرائيلية غير مستعدة لمحاكمة أفرادها الذين ارتكبوا جرائم دولية.
    إذا قرر قضاة المحكمة الجنائية الدولية عدم قبول الاختصاص القضائي على جرائم الحرب المرتكبة في فلسطين، فسوف يحرم ذلك الضحايا من الوصول إلى الإمكانية الوحيدة للحصول على العدالة.
    ثمة سيناريو خطير بشكل خاص والذي يمكن أن يكون قرار القضاة تأكيد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على بعض أجزاء من الأراضي الفلسطينية مع استبعاد أجزاء أخرى، والذي ليس له أساس قانوني بموجب القانون الدولي. وسيكون ذلك خطيرًا للغاية لأنه سيعطي الشرعية الدولية لجميع الإجراءات غير القانونية التي تتخذها السلطات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية -والآن حتى إدارة ترامب نفسها- بما في ذلك خطة الضم (غير القانوني).

*رمزي بارود: صحفي ورئيس تحرير مجلة “ذا بالستاين كرونيكل”. وهو مؤلف لخمسة كتب. آخر مؤلفاته هو “هذي السلاسل سوف تُكسر: قصص النضال والتحدي الفلسطينية في السجون الإسرائيلية”. (مطبعة كلاريتي، أتلانتا). وهو زميل بحث أول غير مقيم في مركز الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)، جامعة الزعيم في إسطنبول.

  • رومانا روبيو: كاتبة إيطالية ومديرة تحرير صحيفة “ذا بالستاين كرونيكل”. ظهرت مقالاتها في العديد من الصحف والمجلات الأكاديمية على الإنترنت. حاصلة على درجة الماجستير في اللغات الأجنبية والأدب، وهي متخصصة في الترجمة السمعية-البصرية والصحافة.

*نشرت هذه المقابلة تحت عنوان: Will the ICC Investigation Bring Justice for Palestine?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock