ترجمات

هل يستطيع نهج التوافق السياسي إنقاذ العراق؟

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

دياري صالح – (ذا أراب ويكلي) 23/9/2018

منذ العام 2003، ظل العراق يُحكم وفقاً لمبدأ التوافق الطائفي والعرقي. وقد أدى ذلك إلى تقوية آليات الكوتات والحصص في النظام السياسي العراقي. وفي وقت لاحق، تمكنت العديد من القوى والمنظمات المناهضة للعراق، مثل “داعش”، من استغلال هذه التجربة المشوهة للسيطرة على أكثر من 40 % من أراضي العراق. وفي ضوء المحادثات المكثفة الجارية حالياً حول تشكيل الحكومة العراقية المقبلة بموجب القواعد نفسها، علينا أن نتساءل عما إذا كان هذا السلوك سينقذ العراق على المدى الطويل.

حدثت الخطوة الأولى على طريق التوافق خلال انتخاب رئيس البرلمان العراقي الجديد، محمد الحلبوسي. وفي تلك الجلسة للبرلمان، توصلت الجبهتان العراقيتان المتعارضتان، “سائرون” و”الفتح”، إلى اتفاق لدعم ترشيح الحلبوسي.

وكان ذلك أيضاً جزءاً من التفاهمات الإيرانية-الأميركية الضمنية. وفي واقع الأمر، وافق البلدان على تنفيذ هذه الاستراتيجية على قاعدة: لا منتصرون ولا مهزومون. وبالتالي، من المتوقع أن يمهد هذا الحدث الطريق لمعادلات أكثر توافقاً فيما يتعلق باختيار الرئيس ورئيس الوزراء. وبهذه الطريقة، ثمة خوف من أن يعيد نظام الفساد والكوتا الطائفية نفسه بقوة.

يعني نهج التوافق أن تتقاسم الأحزاب السياسية الأساسية المناصب الحكومية الرئيسية فيما بينها. وعلى سبيل المثال، يكافح الأكراد الآن داخل نظامهم السياسي ليقرروا من سيكون رئيس العراق ومن سيكون رئيس إقليم كردستان العراق. ويحاول حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة أسرة الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، الحصول على منصب الرئاسة العراقية.

وفي المقابل، يريد منح الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة مسعود البرزاني، رئاسة إقليم كردستان. ويؤكد هذا الحزب الأخير أن قادته لن يقبلوا بهذه التقسيمة غير العادلة. وقد كرر التأكيد على أنه سيطالب أيضاً بالحق في حكم مدينة كركوك الغنية بالنفط التي هيمن عليها حزب طالباني لسنوات. وسوف يؤدي هذا النوع من التوافق بالتأكيد إلى تعزيز المساومة السياسية لدوافع حزبية.

من جهتها، انقسمت الأحزاب الشيعية إلى جبهتين متعارضتين: ائتلاف “سائرون” بقيادة مقتدى الصدر؛ وائتلاف “الفتح” بقيادة هادي العامري. ويؤكد كل طرف أن لديه الأغلبية البرلمانية التي تعطيه الحق في اختيار رئيس الوزراء والتقرير بشأن الحكومة المقبلة. وقد تسبب ذلك في نشوء وضع خطير للغاية، والذي قد يؤدي إلى نشوب قتال عسكري مباشر بينهما في قلب العراق الشيعي. وبالتالي، تصر هذه الأطراف الآن على توافق للآراء، والذي يمكنها من خلاله ترشيح مرشح واحد فقط للتوفيق بينها وحل نزاعاتها.

في هذا الإطار، أكد مراقبون مختلفون أن هذه الكتل السياسية توافقت على مرشح مستقل وتكنوقراطي. ومع ذلك، لا يعني هذا أنها توقفت عن مناقشة كيفية توزيع المناصب الحكومية. وهذا لن يقلل من خطر الانقسام بينها لأسباب سياسية ونفعية. ولذلك، قد تنهار هذه الحكومة الجديدة في وقت قصير.

من جهتهم، ينقسم السنّة أيضاً إلى عدة أطراف. وفي أعقاب انتخابات 12 أيار (مايو)، أكملت الشخصيات السنية تشكيل أكبر تحالف لها: المحور الوطني. ثم انقسمت بعض الأحزاب السنية بين تحالفي الشيعية بقيادة الصدر والأميري على التوالي. وفازت الجماعة السنية بقيادة خميس الخنجر وجمال الكربولي، الذي انضم إلى فريق الأميري، بمنصب رئيس البرلمان العراقي. وتبحث الأحزاب السنية الأخرى الآن عن نوع من التوافق للتوصل إلى تسوية حول توزيع المناصب الحكومية بينها أيضاً. وقالت هذه الأحزاب ضمناً أن سيطرة الخنجر على البرلمان لا تمثل كل المصالح السنية. وبالإضافة إلى ذلك، أعربت عن رغبتها في الإطاحة برئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، عندما يمكن ذلك.

هناك حاجة ماسة إلى نهج التوافق السياسي في العراق، شريطة أن يساعد السياسيين على الاتحاد والاتفاق على خطة خلاقة أو برنامج سياسي شامل لإدارة البلاد. أما إذا تم تطبيق هذا النهج لمجرد توزيع المناصب الحكومية والمنافع فحسب، فإن العديد من الخلافات سوف تظهر بالتأكيد. وهو ما سيضع مستقبل العراق في خطر، وسيأتي بالعديد من المشاكل التي قد تؤدي إلى المزيد من الخراب في العراق.

*أكاديمي عراقي، يحمل درجة الدكتوراة في الجغرافيا السياسية من جامعة بغداد، وما بعد الدكتوراة في العلاقات الدولية من وارسو. وهو يركز في كتاباته على القضايا الجيو-سياسية في العراق.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Can Political Consensus Rescue Iraq?

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock