تحليل إقتصادي

هل يشهد العام 2020 ولادة شركة المدفوعات الخليجية؟

عدنان أحمد يوسف*
برز الحديث مجددا عن قرب مباشرة شركة المدفوعات الخليجية لأعمالها خلال العام 2020، ولا شك أننا نرحب بهذه الخطوة التي طال انتظارها، وكنا من أوائل المصرفيين الذين دعوا لتطبيق هذه الفكرة قبل أكثر من خمسة أعوام، وتطرقنا في أكثر من مقالة لفوائد هذا المشروع بالنسبة للقطاع المصرفي والمالي، والاقتصاد الخليجي ككل.
ويعود إقرار تأسيس شركة للمدفوعات الخليجية من قبل محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية إلى آذار (مارس) 2017. والشركة مملوكة من قبل مؤسسات النقد والبنوك المركزية الخليجية وتعمل حاليا على استكمال متطلبات تأسيس نظام لتسوية المدفوعات بين دول مجلس التعاون الخليجي، ومن شأن هذا النظام أن ينشئ آلية آمنة لتنقل الأموال مباشرة بين دول المجلس عبر البنوك المركزية ومؤسسات النقد وبتكلفة أقل وبسرعة أكبر وبدون أي معوقات.
وللأمانة، فقد برزت أهمية هذا المشروع وبصورة خاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية العام 2008 بعد أن اتضحت الحاجة بصورة جلية لوجود نظام عربي وإقليمي لتسوية المدفوعات يدعم مشاريع التكامل الاقتصادي الخليجي والعربي من جهة، ويسهم في تجنيب الدول الخليجية والعربية الهزات التي يشهدها النظام المالي العالمي من جهة أخرى. وقد تبنينا طرح هذا الموضوع من خلال اتحاد المصارف العربية في العديد من المؤتمرات والاجتماعات عندما كنت أترأس مجلس إدارته. وقد ازدادت أهمية هذا الموضوع خلال الأعوام الأخيرة بعد بروز ظاهرة تشدد البنوك العالمية المراسلة في تقديم خدماتها للبنوك الخليجية، لكونها كانت بدورها تتعرض لقيود صارمة من سلطاتها النقدية لتشديد إجراءاتها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتنفيذ العقوبات. لذلك، فأن تنفيذ هذا المشروع من شأنه إجراء المعاملات المالية والمصرفية بين دول المجلس بدون الحاجة للبنوك المراسلة.
علاوة على ذلك، فإن تأسيس نظام المدفوعات يعد أحد المستلزمات الضرورية للتهيئة لقيام العملة الموحدة من خلال إيجاد نظام موحد لتسوية المعاملات المالية التي تتم بها هذه العملة كما لو كانت تتم في بلد واحد. كما تكمن أهمية ربط أنظمة المدفوعات في تسريع حركة انتقال التجارة والاستثمارات، بما يخدم تفعيل بنود السوق الخليجية المشتركة في المجالات كافة.
وعادة ما تلجأ الدول التي تقيم فيما بينها اتفاقيات للتعاون التجاري أو المالي أو الاستثماري أو التكتل الاقتصادي إلى عقد اتفاقيات وترتيبات بينية فيما بينها بهدف تنظيم مدفوعاتها تجاه بعضها، فإن مثل هذه الاتفاقيات إنما تهدف إلى تحديد حقوق الأطراف المعنية والتزاماتها، وخاصة ما يتعلق منها بتحديد العملة التي سيتم تسديد المدفوعات بها، وسعر صرفها مقابل عملات الأطراف، وموعد الاستحقاق وكيفية السداد، وغيرها من الإجراءات والقواعد التي تضمن حقوق كل طرف، وذلك نظراً لاختلاف الأنظمة الاقتصادية والمالية لكل دولة عن الأخرى وشروط خروج العملة وتأرجح سعر صرفها خلال الفترة الزمنية الممتدة ما بين تاريخ إجراء التبادل التجاري، وتاريخ الدفع أو السداد.
وقد تحاول بعض الدول أحياناً عقد اتفاقات متبادلة مباشرة فيما بينها كما حدث لقيام لبعض الدول بعقد اتفاقيات مباشرة مع الصين للسداد المتبادل لقيمة المبادلات التجارية وفقا لعملاتها المحلية وفقا لأسعار محددة سلفا. لذلك، فإن تنفيذ مشروع شركة المدفوعات الخليجية سوف يقلل من الحاجة لتلك الاتفاقيات والترتيبات بصورة كبيرة حال تنفيذه.
وفي التجربة الأوروبية، فإن توحيد أنظمة المدفوعات يعد إحدى الأدوات التي يستخدمها المصرف المركزي الأوروبي في تنفيذ السياسة النقدية الموحدة لنظام اليورو. فالبنك يستخدم عمليات السوق المفتوحة؛ حيث تكون هي الأداة الرئيسية للعمليات النقدية في الاتحاد الأوروبي. كما يستخدم التسهيلات الدائمة، وهي التسهيلات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار الذاتي لمنطقة اليورو، وتخفيف نقص السيولة أو عدم الاستقرار في أسعار الفائدة. كما يستخدم المصرف نظام المدفوعات الأوروبي، وهو نظام المدفوعات الخاص بالبنوك المركزية الأوروبية، وهو نظام مدفوعات عبر الحدود يربط أسواق النقد المحلية بصورة فورية، بحيث يضمن استقرار أسعار اليورو، وسعر الفائدة.
لذلك يمكن القول إن قيام دول مجلس التعاون الخليجي بتأسيس شركة لتولي تسوية المدفوعات البينية يأتي استجابة لتحرير عناصر الاستثمار والعمل والإنتاج بين دول التعاون مما يدفع لتنامي حجم التعاون التجاري والمالي فيما بينها وضمان الارتقاء بهذه العلاقات في حال تطبيق مشروع الاتحاد النقدي، إلى جانب أن هذه الخطوة تتسق مع مقررات السوق ‏المشتركة ومعطياتها التي تواصل منذ تطبيقها فعليا مطلع العام 2008، وكذلك مستلزمات الوحدة النقدية الخليجية والمساهمة في تعميق مفهوم المواطنة الاقتصادية الخليجية.
إن تنفيذ هذا المشروع سوف يضمن إجراء التحويلات المالية آليا وضمان وصولها إلى المستفيد فورا، وتقديم خدمات ومنتجات مصرفية متطورة، وتقليل المخاطر المالية والاستغناء عن حمل النقد بغرض التحويل من بنك إلى آخر مما يسهم في خفض تكاليف الخدمات المالية المصرفية وتعزيز الأداء المصرفي والمالي. كما سيسهم في إرساء البنية التحتية التقنية، التي تضمن تحويلاً سريعاً وموحداً وآمناً للمدفوعات المالية، ما يعزز من نشاطات التجارة الثنائية بين دول المجلس والمتعددة الأطراف بين دول مجلس وبقية دول العالم.

*رئيس جمعية مصارف البحرين، رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1851.71 0.32%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock