اقتصادتحليل إقتصادي

هل يصبح الذكاء الرقمي ركنا في “العولمة الرابعة”؟

باس برغر*

ما من شك في أن الثورة الصناعية الرابعة تدفعنا بسرعة كبيرة نحو أن نكون مجتمعاً متصلاً، لذلك، فالتحسينات في خدمات الاتصالات وتقديمها إلى المستهلكين أسهما في وجود أكثر من أربعة مليارات مستخدم للإنترنت في الوقت الراهن؛ أي أكثر من نصف سكان العالم.
لكن المعرفة الرقمية والمهارات المرتبطة بها لا تنتشر بالسرعة التي ينتشر بها الاتصال، وهو ما يزيد من المخاطر الإلكترونية ويوسع الفجوة بين الجنسين ويخلق نقصاً في المهارات في سوق العمل. فعلى سبيل المثال، يزيد احتمال وقع الأطفال، الذين يعيشون في بلدان ذات انتشار منخفض لتقنيات المعلومات والاتصالات، ضحايا لمخاطر الإنترنت بمقدار 1.3 مرة على أقرانهم في البلدان ذات الانتشار العالي لتقنيات المعلومات والاتصالات. ويُتوقع بحلول العام 2022، أن تصبح 30 بالمائة فقط من القوى العاملة في المجالات الرقمية من النساء، وسوف تحتاج المملكة المتحدة وحدها إلى 500,000 عامل إضافي في القطاعات الرقمية بحلول العام 2022، أما في الولايات المتحدة الأميركية، فلا يزيد مجموع المرشحين لشغل الوظائف المستقبلية التي سوف تتطلب مهارات تقنية، والبالغ عددها نحو ستة ملايين وظيفة، على 3.2 ملايين شخص.
وأجد عندما أتحدث إلى نظرائي من قادة الشركات متعددة الجنسيات، أنهم يشتركون في اعتبار نقص أصحاب المهارات والمواهب أحد أبرز اهتماماتهم، بغض النظر عن القطاع الذي يعملون فيه أو المنطقة التي يقيمون فيها، والسبب من وراء ذلك واضح تماماً، فتسعون بالمائة من الوظائف خلال السنوات الثلاث المقبلة سوف يحتاج شغلها إلى التحلي بمهارات رقمية، ومع التحول الرقمي الذي تشهده معظم شركاتنا، نجد أن فجوة المهارات الرقمية تُعيق التقدم في 54 بالمائة من الشركات وتكبّد اقتصاداتنا تكاليف بالمليارات.
ولكنني، كأب لأطفال صغار، أجد أن ما أعادني بالفعل إلى التحدي الذي يواجهنا هو أن 65 بالمائة من الأطفال الذين يدخلون المدرسة اليوم سيعملون غداً في وظائف لم توجد بعد.
إنني رغم ذلك، أجد أن المعرفة والمهارات الرقمية لم تعد كافية، فمع أن الشباب ينشؤون محاطين بالتقنيات من كل جانب، إلا أن كثيرا منهم لا يعرف كيف تعمل هذه التقنيات، ولا يدركون كيف ستسهم في رسم ملامح مستقبلهم؛ فهم يرونها غريبة أو غير مناسبة أو يجدون صعوبة في التعامل معها أو حتى يرونها مضيعة للوقت. أما إذا تحدثت مع غير مستخدمي الإنترنت، فلن تجدهم يتحدثون عن عدم امتلاك المهارات المناسبة، بل سيقولون إن هذه المهارات لا تعنيهم.
عندما أنظر إلى قوى العمل في شركتنا، أرى أن كفاءات مثل تحليلات البيانات والبرمجة ليست دائماً المفتاح للحصول على وظيفة متميزة، وهنا أذكر واحدة من أكثر المتدربين الشباب الواعدين في مجال الأمن الإلكتروني، وهي راشيل، التي درست الموسيقى لا البرمجة، لكنها استطاعت أن توظف المهارات والقدرات والمواقف التي تعلمتها وهي تعزف على الكمان لمساعدتها على لعب دور مزدهر في فريقنا للأمن الإلكتروني.
ويطلق الائتلاف من أجل الذكاء الرقمي على هذا الشرط الجديد اسم “الذكاء الرقمي”، وهو لا يقتصر على المهارات التقنية فحسب، ولكن أيضاً القدرات المتعلقة بإدارة وقت العمل على شاشات الأجهزة، والتفكير النقدي، والتعاطف الرقمي. وفي هذا السياق، نجد أن “مخطط سنغافورة للجاهزية الرقمية” يُلقي الضوء على هذا الأمر بتوصية تطلب توضيح مجموعة من المهارات الرقمية الأساسية المطلوب ممارستها في الأنشطة اليومية؛ كالبحث عن المعلومات على الويب، وسداد الدفعات بطريقة غير نقدية، واستخدام خدمات التراسل والخدمات الرقمية الحكومية، وتحديد الأخبار المزورة ووسائل الاحتيال عبر الإنترنت.
مع توقع اتساع فجوة المهارات بأربعة أضعاف حجمها بين العامين 2020 و2030، فإننا بحاجة كقادة وشركات وحكومات، إلى بناء ثقافة يرى فيها الشباب المعرفة التقنية طريقة جديدة للمضي قدماً وتحقيق الاستفادة القصوى من قدرة التقنية على تشكيل حيواتهم، بحيث تصبح ثقافة الحلول الإبداعية للمشاكل بالاستناد على القدرات الرقمية. لهذا السبب يملأني السرور بدعم “بي تي” الائتلاف من أجل الذكاء الرقمي.
مساعدة الناس على الحصول على المزيد من التقنية
ذلك هو السبب في حرصنا على توسعة نطاق جهودنا لمساعدة الأشخاص على تحقيق المزيد من خلال التقنية، وذلك بتمكين المعلمين وأولياء الأمور من تمهيد الطريق أمام النشء، وإلهام الشباب إيجاد الأهمية والإثارة في التقنيات، وتجهيز المدارس لاستخدام التقنيات بفعالية.
لقد انصب تركيز جهودنا الأولية على دعم معلمي المدارس الابتدائية نظراً لأنهم يلعبون دوراً حاسماً في تحديد تطلعات الأطفال وطموحاتهم المستقبلية. وقمنا في هذا السياق، بتدريب 63,000 معلم ومليوني طفل في إطار مشروعنا لتعليم الحوسبة Barefoot Computing. فالمواد والألعاب التعليمية المجانية تحفز التفكير “الحوسبي” لدى الأطفال وتساعدهم على فهم اللبنات الأساسية للعالم الرقمي؛ كالمنطق والتسلسل والتجريد والبرمجة. وقد ساعدت موارد هذا المشروع أيضاً على تطوير مهارات مهمة أخرى في الذكاء الرقمي؛ كالحساب والمعرفة التقنية والتعاون وحل المشاكل.
ولا يتعلق الأمر بالأطفال الصغار وحدهم، فالتركيز على إثراء المهارات الرقمية وتنميتها بين المراهقين أيضاً يسهم في إبقائهم بأمان، لكننا بحاجة كذلك إلى جعل العالم الرقمي أكثر شفافية وأقوى تمكيناً. لقد ساعدتنا أساليب الابتكار في التعليم على التوصل إلى طرق جديدة لدعم الأطفال على فهم الحقائق التجارية للإنترنت والتنقل بثقة في أرجاء العالم الرقمي، والإجابة عن تساؤلات تدور حول أمور مثل الطريقة التي تكسب بها الشركات ونجوم “يوتيوب” المال عبر الإنترنت، والسبب في كون الألعاب الإلكترونية باعثة على الإدمان، ولماذا يستصعبون التخلي عن أجهزتهم لبعض الوقت.
مع حاجة “العولمة الرابعة” إلى مواطنين رقميين عالميين، أرى أن الافتقار إلى الذكاء الرقمي يشكل عقبة أمام الأفراد والشركات التي توظفهم، علينا أن نتصدى لها ونتجاوزها الآن لتمكين الجميع من إحراز النجاح في المستقبل.

*الرئيس التنفيذي للخدمات العالمية لدى “بي تي”

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1982.04 0.23%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock