أفكار ومواقف

هل يظل الخوف محركا للسياسة؟

البضاعة الأكثر رواجا في فهم صفقة القرن والتعامل معها هي «الخوف» سواء التأييد أو المعارضة أو الحياد، ثم تنشأ حول سوق الخوف بضاعة «الأمن» باعتباره الأكثر طلبا والأكثر فعالية، ويمكننا جميعا (السلطات والمجتمعات والأفراد) نتحدث عنه في حرية ومشروعية، وأما الخوف فبرغم أنه الأكثر حضورا وعمقا فإنه ليس معترفا به على نحو صريح، إنما يعكس نفسه في مشاهد من البطولة أو الأمن.
الحال أننا خائفون جدا، ولا يمكن لولا الخوف لتغريدة خرافية ساذجة لمدون مجهول أن تثير ردود أفعال واسعة وتحرك عواصف إعلامية؛ خائفون من الاحتلال، ومن التهجير والتوطين وضياع الهوية والفرص وندرة الأعمال والماء والطاقة .. وفيروس كورونا، نخاف من بعضنا بعضا، ومن السلطات، ويخاف أحدنا من ذاته، ومن البنوك وشركات الاتصالات، ليس هذا الهلع في السوبرماركتات والطرق والاجتماعات والمقاهي والمجالس سوى خوف. وبطبيعة الحال ما من حالة تنشأ أو واقع يتشكل إلا وتظهر حوله مصالح وطبقات تستمد مصالحها ووجودها منه، هكذا يتطور إنتاج الخوف.
في كتابه «لفياثان» الأكثر حضورا وتأثيرا في السياسة منذ القرن السابع عشر يقول توماس هوبز: عندما يخاف الناس على حياتهم، فإنهم سوف يعملون كلّ ما بوسعهم لحماية أنفسهم وأُسَرهم، وعند وجود ما يهدّد سلامة الوطن أو الدّولة فإنها أيضًا سوف تقوم بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها – والحد من حقوق مواطنيها هو أقل ما ستفعله.
هي كما يقول هوبز لعبة معقدة، فالإنسان في سعيه لأن يعيش في سلام ووحدة وفي تطلعه وميله إلى السعادة فكر في السلطة، ولكنها (السلطة) رغبة دائمة لا تهدأ، ولا تنتهي إلا بالموت، والسبب في ذلك أن الإنسان لا يستطيع ضمان القوة ووسائل العيش الجيد التي يملكها الآن دون ان يقتني المزيد منها، وهذا يؤدي إلى التنافس على الثروات ثم إلى النزاع والعداوة والحرب، وفي الوقت نفسه فإن الرغبة في الراحة والمتعة والمعرفة وفنون السلام تجعل الناس مستعدين لأن يطيعوا سلطة مشتركة.
والذين يشعرون بالمجد الباطل دون أن يشعروا بأن لديهم الكفاءة يستمتعون بادعاء الشجاعة، ويميلون فقط إلى التباهي وليس الإقدام، وحين يظهر الخطر لا يأبهون إلا لانكشاف عدم كفاءتهم، والذين يشعرون بالمجد الباطل وهم يقدرون كفاءتهم من خلال المديح أو من خلال نجاح عمل سابق فإنهم عند اقتراب الخطر يميلون إلى الانسحاب ويفضلون المخاطرة بشرفهم الذي يمكن استعادته بعذر بدلا من حياتهم التي لا يمكن استعادتها.
والذين يعجبون بحكمتهم يملكون استعدادا للطموح، والجهل بالأسباب والتكوين الأصلي للحق والانصاف والقانون والعدالة يجعل الإنسان مستعدا لأن يتخذ من العادة والمثل قاعدة لأفعاله، والجهل بالأسباب البعيدة يجعل الناس مستعدين لنسبة كل الأحداث إلى مباشرة وذرائعية، والجهل بالأسباب الطبيعية يجعل الإنسان أكثر سذاجة؛ فيصدق أشياء مستحيلة. وحين يكون المرء متأكدا من أن هناك أسبابا لكل الأشياء التي حدثت في السابق وستحدث فيما بعد يكون في حالة قلق دائم.
وبرغم ما تبدو عليه هذه الغرائز من فجاجة فإنها كما يقول هوبز أنشأت فهما للحق والحرية وقانون الطبيعة، فالحق بمقتضى الطبيعة كما يقول هو حرية الإنسان في أن يستخدم قوته وفق ما يشاء هو نفسه من اجل الحفاظ على طبيعته، وبعبارة أخرى الحفاظ على حياته، وبالتالي في أن يفعل كل ما يرى بحكمه وعقله انه افضل السبل لتحقيق ذلك. والحياة هي غياب المعوقات التي تمنع الإنسان من استخدام القوة طبقا لما يمليه حكمه وعقله. وقانون الطبيعة هو مبدأ يتخذه العقل لمنع الإنسان من فعل ما هو مدمر لحياته، او ما يقضي على وسائل الحفاظ عليها.
وكانت الدولة هي الوسيلة الوحيدة لإنشاء السلطة المشتركة القادرة على الدفاع عن البشر في وجه احتياجات الغرباء والإساءات المرتكبة بحق بعضهم وحمايتهم حتى يتمكنوا من الشعور بالرضا فتكمن في جمع كل قوتهم وقدرتهم باتجاه شخص واحد او مجموعة أشخاص تستطيع بغالبية الأصوات حصر كافة إراداتهم في إرادة واحدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock