أفكار ومواقف

هل يعيد الوباء الاعتبار للتعليم العام..؟!

يشهد البلد اليوم اتجاهاً إلى النزوح الجماعي المعاكس من التعليم الخاص إلى العام. وتحكم هذا الاتجاه اعتبارات؛ أهمها غياب اليقين بشأن آليات العملية التعليمية في العام المقبل في وجود الوباء، هل سيكون عن بُعد أم مباشرة في الصفوف؟ وثانيها، الاعتبارات الاقتصادية لأهالي الطلبة الذين تضررت دخولهم أو أصبحت مهددة بسبب الحظر والإغلاقات السابقة والمحتملة. وترتِّب هذه الاتجاهات ضغطاً على التعليم العام الذي كان طارداً للطلبة، عن عمد أو غير ذلك.
مثل الكثير من الممارسات التي يُفترض أن يغيّرها الوباء، قد تكون العودة إلى المدارس الحكومية في هذه الظروف فرصة لأولياء الأمور الذين أثقلتهم تكاليف تدريس أبنائهم في المدارس الخاصة، لكنهم يترددون بسبب «البريستيج» والتصورات غير الدقيقة عن فارق نوعي مهم بين التعليم الخاص والعام. لكن استعادة التعليم العام هي الشيء الصحيح الذي ينبغي أن تعمل عليه الدولة قبل المواطن، لأنها تتعلق بأصل استراتيجي أدت خصخصته إلى مجموعة من المشكلات، بدءاً بنوعية المخرجات وليس انتهاء بالمشكلات المصاحبة بالنسبة للأهالي والمعلمين والطلبة أنفسهم.
إذا كان التعليم يتعلق بتأهيل الإنسان في بلد يفتقر إلى الموارد الطبيعية، فإن الاستثمار فيه بأفضل شكل هو المشروع الوطني الأساسي، الذي لا يجب التردد في استملاكه والتركيز عليه وضبط جودة منتجه. وسوف يعني الأردني عالي التأهيل، والسهولة في ملء الوظائف بالكفاءات، وتحسين مخرجات العمل، وزيادة الطلب على الكفاءات الأردنية إقليمياً وعالمياً. ولعل الأهم من كل شيء هو وجود إنسان منفتح العقل، قادر على فهم العالم واستيعاب ضرورات التغير الاجتماعي والسلوكي والانخراط بإيجابية في أي مشاريع يتطلب إنجاحها أفراداً مرنين مزودين بأدوات اتخاذ القرارات الرشيدة. وسوف يخدم عقل اجتماعي جمعي حسن التكوين كل شيء، من السلوك الحضاري إلى جودة العمل، إلى المشاركة السياسية والمؤسسة من منطلق الوعي بالمصلحة العامة والانتماء الوطني والتحليل المنطقي.
ينبغي أن تتكون قناعة لدى الدولة بأن تقديم تعليم من أحسن نوعٍ مجاناً أو قريباً من ذلك، هو واجبها الذي تتوقع منه عائداً مجزياً -تماماً كما يتوقع الأب عندما يعلم أبناءه بأفضل صورة. وسوف تقترح أي قراءة في نوعية مخرجات التعليم في العقود الأخيرة أن التخفف من كلفة التعليم وتحميله للمواطنين يرتب كلفة أعلى بكثير على المدى الطويل.
كبداية، تبيّن أن خصخصة التعليم لم تنتج في معظم الأحوال تأهيلاً نوعياً أفضل من التعليم الذي كنا نتلقاه في المدارس العامة قبل بضعة عقود. لا بأس، من حيث المبدأ، بأن يكون لدينا تعليم خاص، وإنما “خاص” حقاً، بحيث يقدم خدمة نوعية فائقة يستحيل أن توفرها مدرسة عامة. لكنّ هذا لا يحدث. فمعظم المدارس الخاصة تدرس المناهج نفسها، وتستخدم معلمين بأجور منخفضة وتحرمهم من الأمان الوظيفي، وتركز على معلمي الصفوف العليا فقط لتخريج طلبة بمعدلات عالية في “التوجيهي”.
إذا كان يجب تزويد المدارس العامة بالمختبرات والساحات والمباني المنافسة والمعلمين المؤهلين لكي تنافس -نعم، ينبغي أن تنافس- فهذا أقل ما يستحقه التعليم العام كشيء يميز هوية الدولة. ومن العيب شيوع انطباع بأن مدارس الحكومة أسوأ الخيارات، سواء من حيث نوعية التعليم، أو البنية التحتية، أو نوعية الطلاب وسوياتهم السلوكية والأخلاقية. هل يمكن القبول بذلك كثمن لتحميل الناس كلفة تعليم أبنائهم؟
ستقول أسر الطبقة الوسطى إن تعليم أبنائها في القطاع الخاص يستنفد نصف دخولها أو أكثر. ماذا يتبقى لتدوّره في الاقتصاد؟ أصبحت رسوم سنة واحدة لطفل في البستان تزيد عما كلف تعليمنا في الجامعة أربع سنوات. لكن كلفة التعليم أصبحت تقلق استقرار الطبقة الوسطى الحافظة للاستقرار، والتي يعني حتها مزيداً من فقدان التوازن في مناخات غير مستقرة. وكان ينبغي أن تدور الملايين التي تُنفق على التعليم الخاص -في حال توفر بديل لائق في التعليم العام- في السوق وتحرك الاقتصاد بدل أن تذهب إلى خزائن أفراد يصعب وصف ما يقدمه معظمهم بأنه من النوع الذي صنعه الحداد وكسر القالب -والنتيجة واضحة كالشمس.
الآن، مع الوباء وظهور اتجاه إلى اختيار التعليم العام مرة أخرى، ينبغي إجراء مراجعة لهذا القطاع المهم واستعادته وإنقاذه. وينبغي دراسته في سياقاته وعلاقاته الأوسع، ونحو إحياء السمعة -والقيمة العملية المصاحبة- التي كانت أهم مادة لبناء الأردن الحديث.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock