أفكار ومواقف

هل يقف الأردن وحيدا؟

في لقاء الملك بأهالي محافظة الزرقاء أكد جلالته مرة اخرى على ثبات الموقف الأردني والتزامه غير القابل للتحول حيال القدس. فالأردن يتعرض لضغوطات وهو مصمم على الوقوف في وجهها متسلحا بالشرعية الدولية والإجماع الشعبي والعمق العربي الإسلامي. في التصريحات الملكية ما يبعث على الطمأنينة ويوقف ولو مرحليا حمى الاجتهادات والتخمينات.
في الشارع العربي والأوساط الأردنية الفلسطينية لا يعرف الناس الكثير من التفاصيل عن ملامح العرض الاميركي للتسوية لكنهم يعرفون جيدا الايديولوجيا الصهيونية وصلات الادارة بها والتأثير الذي يملكه مهندسو الصفقة وحجم القوة والتأثير الذي يمكن حشده لخلخلة المواقف وإرضاء اللوبي الصهيوني في اميركا والعالم.
في مركز العقيدة الاسرائيلية والايديولوجيا التي تتبناها الاحزاب الاسرائيلية، يعتبر الأردن جزءا لا يتجزأ من الحلول التي يفكر بها الاسرائيليون أيا كانت انتماءاتهم الحزبية ومعسكراتهم الايديولوجية. في ادبيات الاحزاب والقوى الاسرائيلية والصهيونية تتراوح المواقف بين المطالبة بالأردن كجزء من الأراضي الموعودة الى النظر الى الأردن على انه فلسطين وصولا الى البديل الأردني كطرف في الاتفاق الذي يمكن ان يبرم لإنهاء الصراع باعتباره الاقدر على ضمان تحقيق شروط الاسرائيليين في الأمن.
العلاقة بين الأردن واسرائيل لم تبدأ مع تأسيس الدولة الأردنية العام 1921 ولا مع وعد بلفور العام 1917 بل تعود الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين ظهرت عشرات المحاولات اليهودية لشراء الاراضي والاستيطان في جلعاد وحوض نهر الزرقاء، فقد قدم تشارلز وورن بحثا للصندوق البريطاني لأبحاث أرض اسرائيل من أجل الاستيطان في منطقة جلعاد العام 1876 والمحاولات اللاحقة لتأسيس شركات ومنظمات لشراء أراض في بعض مناطق الأردن الممتدة بين الموجب وجلعاد من خلال بعض التجار والأشخاص الذين يسروا هذه النشاطات قبل ان يعمل الاتراك على وقفها.
في اللاوعي الانساني لا يوجد بقعة جغرافية تحظى بالقدسية والاهمية التي تحظى بها فلسطين فهي مهمة للمسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء. على هذه البقعة ظهرت الكتابة والاساطير والاديان وفوق جبالها وداخل كهوفها نسجت القصص والروايات والاحداث وتشكلت نواة الوجدان الانساني والقيم الاخلاقية. لهذه الاسباب وغيرها اصبحت الارض موضعا للنزاع وميدانا للصراع الناجم عن دعاوى الأحقية والسبق والتفوق والسعي للهيمنة والالغاء والتملك.
حتى 26 اكتوبر 1994 كان الأردن يخشى الاطماع والتهديدات الاسرائيلية لوجوده فقد بقيت الكثير من الجماعات وبعض الاحزاب الاسرائيلية تردد الاشعار التي تقول “لنهر الأردن ضفتان.. الاولى لنا.. والأخرى لنا”. مع توقيع معاهدة السلام الأردنية الاسرائيلية في وادي عربة بحضور اميركي وعالمي وضع الأردن حدا لاطماع اسرائيل وزعمها وانتزع اعترافا اسرائليا بحدود الأردن الامر الذي اغضب الكثير من القوى اليمينية التي صبت جام غضبها على رئيس الوزراء العمالي اسحق رابين وأدت لاحقا الى اغتياله.
الجمود الذي ساد العلاقات الأردنية الاسرائيلية وتنامي تيار اليمين الاكثر تطرفا وتغير ميزان القوى بوجود ادارة اميركية منحازة لاسرائيل وتفتت الجبهة العربية وتلاشي الدعم المادي والمعنوي للأردن والفلسطينيين امور تبعث على القلق حول نوعية الحلول المقترحة وحجم التأثير الذي قد تحدثه هذه الخطط على المنطقة وشعوبها ومصالح الأردن والأردنيين.
في اصرار الأردن والأردنيين على رفض المقترحات التي تقفز على مبدأ حل الدولتين والتمسك بالشرعية الدولية الكثير من الحكمة والرشاد لكنها تفتقر الى برامج التعبئة والاسناد. الخوف ان تحاصر الإرادة الأردنية والفلسطينية بوسائل معروفة واخرى غير معلن عنها. في مواجهة احتمالية الاصرار والتعنت الاميركي والصلف الاسرائيلي والتواطؤ، يحتاج الأردن لاكثر من التمسك بالرفض والتأييد الشعبي للموقف الرسمي.. اليوم يحتاج الأردن الى بناء استراتيجيات للصمود ووعي يستعصي على الاستمالة والتغيير وتماسك للجبهة الداخلية التي قد تتأثر تحت ضغوط الفقر والفساد والشللية وتأجيل مشاريع الاصلاح.
في اسرائيل تستمع الى وجهات نظر الاحزاب وايديولوجيتها، وفي الأردن تسمع ملاحظات فردية وانفعالات نيابية ومواقف لا تستند الى ايديولوجيات وبرامج بمقدار ما تنبع من تأييد ومعارضة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock