أفكار ومواقف

هل يكون العفو العام الأخير؟

تفيد المعلومات المتوفرة من البرلمان بأن المشرعين في مجلسي الأعيان والنواب توصلوا لتسوية حول أربعة بنود في مشروع قانون العفو العام اعترضت عليها “قانونية الأعيان” بعد إقرارها من قبل مجلس النواب.
أبرز القضايا الخلافية تتعلق بعدم الموافقة على إعفاء الغرامات المترتبة على شبكات المياه والكهرباء، والاعتداءات على الموظفين العموميين وغرامات العمالة الوافدة، بالإضافة إلى تعاطي المخدرات.
مجلس الأعيان يجتمع اليوم لمناقشة تعديلات لجنته القانونية، والمفترض أن يقر المشروع بعد توافق المجلسين، على أن يعود القانون إلى مجلس النواب مباشرة لإقراره بتعديلاته الواردة من الأعيان.
معنى ذلك أن القانون سيقر بصيغته النهائية هذا الأسبوع تمهيدا للبدء بتطبيقه بداية الشهر المقبل. النيابة العامة المعنية بالتنفيذ تحتاج لبعض الوقت لتحديد قوائم المشمولين بالعفو العام، وإصدار التعليمات للإفراج الفوري عنهم.
أظهر استطلاع الرأي العام الأخير لمركز الدراسات الاستراتيجية أن أغلبية المستطلعة آراؤهم يؤيدون اصدار القانون، وهذه النتيجة متوقعة في ضوء المكاسب المتحققة من إعفاء للغرامات والمخالفات المرورية والإفراج عن سجناء. بالرغم من ذلك كان هناك انقسام ملحوظ حياله تجلى في نقاش غير مسبوق حول تناقض العفو مع مبدأ سيادة القانون، وارتفعت أصوات شجاعة في مجلس النواب تعارض توجه الأغلبية. ووقف مجلس الأعيان بجرأة ضد التوسع في العفو. أما في المناقشات العامة فقد سجلت اعتراضات قوية ضد التوسع في القانون، خاصة بما يتعلق بالجرائم التي تمس بهيبة الدولة وسيادة القانون والمال العام، وجرائم الاغتصاب والتعدي على القصر. وخالف كثيرون الحجة التي تقول إن العفو العام يعكس الحاجة لمصالحة وطنية في البلاد، لأن المصالحات الوطنية تخص دولا ومجتمعات غرقت في الحروب الأهلية والأزمات السياسية، وهذا ليس حالنا في الأردن طبعا.
هذه النقاشات التي استمرت أسابيع طويلة، يمكن أن توظف لاتخاذ موقف صارم ضد اللجوء لفكرة العفو العام مستقبلا.هنا ينبغي التفكير جديا بتقييد التشريعات الدستورية لاقتصار العفو على الحالات الخاصة، وحصره بالسلطة التقديرية لجلالة الملك فقط، وفق معايير دقيقة تأخذ في الاعتبار الظروف الإنسانية والمصلحة العليا للمجتمع والدولة وخزينتها.
العفو العام وضع النواب والحكومة تحت ضغوط شعبية لا تحتمل، وفرض على السلطتين القبول بتنازلات تتناقض وقناعتهما. ونعلم جميعا أن هناك نوابا ووزراء في الحكومة لم يكونوا متحمسين لتوسيع قاعدة المشمولين بالعفو، لكنهم لاذوا بالصمت تحسبا من النقمة الشعبية عليهم.
علينا أن نفكر جديا بمقاربة مختلفة تخفف الأعباء عن كاهل السلطة التشريعية، وتجنب الدولة الرضوخ لمزاودات شعبوية على حساب سلطة القانون، وانتهاج أسلوب مماثل لدول متقدمة في التعامل مع مبدأ إخلاء سبيل المحكومين، ونوعية القضايا التي تشملها القرارات الرئاسية بهذا الخصوص.
لقد استهلكت المداولات بمشروع قانون العفو العام وقت الحكومة والنواب والأعيان لأسابيع، مثلما غرقت البلاد بمناقشات طويلة وانقسمت القطاعات الحيوية واختلفت فيما بينها بلا طائل، وكل ذلك على حساب قضايا أخرى جديرة بالاهتمام والتركيز.
والأهم من ذلك أن الأثر المتحقق من العفو العام على شعبية السلطات يبدو ضئيلا وقصير المدى، وسرعان ما يزول بعد فترة وجيزة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock