ترجمات

هل يمكن أن يكون لوباء فيروس كورونا تأثير دائم وعميق مثل “الموت الأسود”؟

جيروم روس* – (ذا نيو سيتسمان) 5/6/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

شرعت الأزمة العالمية التي أطلقتها جائحة فيروس كورونا في أن تبدو أقرب إلى نقطة انعطاف تاريخية. وفي حين أننا لا نعرف كم سيستمر التفشي ومدى شدة تداعياته، فإن من الصعب التخلص من الشعور بأننا نقف الآن على عتبة بين عصرين.
إذا كان ثمة شيء، فهو أن عدم اليقين المتأصل في هذه اللحظة يستدعي المعنى الأصلي للكلمة اليونانية القديمة “أزمة” crisis. وقد أشار مصطلح رئيسي في طب أبُقراط، krisis، إلى نقطة التحول في مرض، والتي تؤشر إما على بداية الشفاء أو بداية الوفاة. وهكذا، فإن الأزمة الحقيقية هي، بالتعريف، لحظة مهمة بطريقة حاسمة والتي يجب أن يأتي فيها تغيير -للأفضل أو للأسوأ.
ليست الأزمة الحالية بلا سوابق بالمُطلق. على مر العصور، تركت الأمراض المعدية علامات لا تمحى على المسار المستقبلي لتاريخ العالم: من الطاعون الجستيني، (في عصر الإمبراطور جوستنيان)، الذي دمر الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية في القرن السادس، إلى الأوبئة المروعة التي دمرت حضارات الأميركتين الأصلية بعد وصول كريستوفر كولومبوس في القرن الخامس عشر. ولكن، إذا كان علينا أن نحدد وباء واحداً صنع حقبة، فسوف يكون “الموت الأسود” في منتصف القرن الرابع عشر، والذي كان حدثاً تحويلياً آذن بـ”أفول العصور الوسطى”، والذي سيعيد تشكيل النظام العالمي الحديث الناشئ بطرق هائلة.
وفي حين يشكل “كوفيد-19” نوعاً مختلفاً من المرض، بمعدل وفيات أقل بكثير، فإن التداعيات الاقتصادية-الاجتماعية الدرامية للوباء تثير سؤالاً مهماً: هل يمكن أن ينتهي الأمر بالأزمة وهي تلعب دوراً مشابهاً في العالم الحديث المتأخر لما فعله “الموت الأسود” في العالَم الوسيط المتأخر؟
هل سيعيد هذا الوباء، أيضاً، تشكيل العالم كما نعرفه؟
في خريف العام 1347، كانت 12 سفينة حربية من جنوا ترسو في ميناء ميسينا الصقلي. ولدى الاقتراب من السفن لإجراء فحوصات جمركية منتظمة، سرعان ما اكتشفت سلطات الموانئ المحلية شيئاً مروعاً: معظم الرجال الذين على متنها كانوا إما ميّتين أو يُحتضرون. وكما كتب الراهب الفرنسيسكاني، ميشيل دي بيازي Michele di Piazze، في رسالة في ذلك الوقت، فقد “جلب البحارة في عظامهم مرضاً عنيفاً لدرجة أن كل من تحدث إليهم أصيب بالعدوى ولا يستطيع بأي شكل من الأشكال أن يُنقذ نفسه من الموت”. وقد أصيب الضحايا “بآلام في جميع أنحاء الجسم وشعروا بإرهاق شديد. ثم ظهرت بعد ذلك، على فخذ أو ذراع، بثرة مثل حبة العدس. ومنها اخترقت العدوى الجسم وبدأ قيء دموي عنيف. واستمر ذلك لمدة ثلاثة أيام ولم يكن هناك من سبيل لمنع انتهائه بالموت”.
كان المرض المرعب الذي تحدث عنه دي بيازي هو الطاعون الدبلي. وكان هذا المرض الذي تسببت به عدوى بكتيرية هي Yersinia pestis، مستوطناً منذ فترة طويلة بين القوارض التي تسكن بيئات طبيعية معينة. وتقفز العدوى التي تنتشر عن طريق البراغيث التي تتغذى على دم الحيوانات المصابة، مثل حيوانات الغرير والجربوع والجرذان السوداء، أحياناً وتنتقل إلى البشر. وفي حين أن الأصول الجغرافية لوباء القرن الرابع عشر ما تزال موضوعاً لجدل ساخن، يبدو أن أحدث الأدلة الجينية تشير إلى أن الوباء نجم عن اندلاع مفاجئ للطاعون -ربما بسبب تغير المناخ- في مكان ما في المناطق الآسيوية الداخلية المرتفعة، مع تحول انتباه الباحثين مؤخرًا من هضبة تشينغهاي-التبت، الواقعة بشكل أساسي في غرب الصين، إلى سلسلة جبال تيان شان على الحدود الصينية-القرغيزية.
كان الانتشار اللاحق للمرض أكثر من مجرد ظاهرة بيئية. على عكس العملية التي انتشر بها “كوفيد-19” في جميع أنحاء العالم، كان الموت الأسود نتيجة لتفاعل معقد بين عاملٍ مُمرض يحدث بشكل طبيعي في مجموعات الحيوانات وبين التنظيم الاجتماعي بين المجتمعات البشرية التي أثبتت أنها مواتية تماماً لانتشاره. ولعب التفاعل المتزايد بين الشرق والغرب دوراً مهماً بشكل خاص في تفشي المرض. وفي حين أن العالم في أواخر القرون الوسطى لم يكن بأي حال من الأحوال معولماً مثل عالمنا، إلا أنه كان مع ذلك أكثر ترابُطاً مما نفترض في كثير من الأحيان.
بطريقة حاسمة، جلبت الفتوحات المغولية في القرن الثالث عشر لفترة وجيزة حوالي ثلثي مساحة الكتلة الأوراسية تحت السيطرة الموحدة لأكبر إمبراطورية متصلة الأراضي في التاريخ. وعلى الرغم من أن المملكة الواسعة لنسل جنكيز خان قد انهارت في نهاية المطاف وتقسمت إلى أربع إمارات متنافسة (الخانات)، فقد استمرت العلاقات التجارية على طول طرق الحرير التي يحميها المغول في الازدهار بشكل جيد في النصف الأول من القرن الرابع عشر. وكانت الزيادة المفاجئة في الحركة البشرية -في شكل الجيوش المغولية وقوافل الجمال التجارية- هي التي مكنت -بدون قصد- حاملي الطاعون من الهروب من بيئتهم الطبيعية. وقد تآمرت الإمبراطورية والتجارة لإنتاج ما وصفه المؤرخ الفرنسي، إيمانويل لو روي لادوري Emmanuel Le Roy Ladurie، في العام 1973 بـ”التوحيد الميكروبي للعالم”.


في العام 1338، اجتاح وباء قوي المنطقة المتاخمة لبحيرة إيسيك-كول، في قيرغيزستان الحالية، بين جبال تيان شان. وقدم هذا التفشي بالتحديد لعلماء الآثار ما كان يعد منذ وقت طويل أقدم دليل على “الموت الأسود”، والمسجل على النقوش الحجرية لمدفن نسطوري. وبحلول أوائل أربعينيات القرن الرابع عشر، وصل الطاعون إلى خانات المغول في القبيلة الذهبية، وكان يجتاح سهول جنوب روسيا بلا هوادة. والنظرية المقبولة بشكل عام هي أن حاكم القبيلة الذهبية، الخان جاني بيغ، هو الذي جلبه في ذلك الحين إلى البحر الأسود عندما حاصرت جيوشه في العام 1346 معقل التجار الجنويين في مدينة كافا في شبه جزيرة القرم. وفي روايته المسهبة لأحداث تفشي “الموت الأسود”، كتب المؤرخ الإيطالي غابرييل دي موسيس Gabriel de Mussis أن القوات المغولية، التي مزقها التفشي، ردت بإلقاء الجثث المصابة بالعدوى من فوق أسوار المدينة. وفر الجنويون المرعبون بالقوارب إلى القسطنطينية؛ حيث قاموا -مع تجار إيطاليين آخرين- بنشر المرض بطريقة كارثية في جميع أنحاء العالم المتوسطي.
وصل الموت الأسود إلى الموانئ التجارية الكبرى لإيطاليا ومصر في أواخر العام 1347. ومن هناك، انطلق كالنار في الهشيم لينتشر عبر أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. وبعد أربعة أعوام والعديد من موجات العدوى المتكررة في وقت لاحق، مات واحد على الأقل من كل ثلاثة أشخاص في هذه المناطق. وقد رثى شاعر عصر النهضة الإيطالي، بيترارك، Petrarch، المشهد المأسوي بعد الجائحة، فكتب: “في أي حوليات وسجلات على الإطلاق قُرئ أن المنازل تُركت شاغرة، والمدنَ مهجورة، والريفَ مهمل، والحقولَ صغيرة جدًا على القتلى، بينما خيّمت عزلة مخيفة على الأرض كلها؟”. وكان معدل الوفيات كبيراً جداً لدرجة أنه خشي أن تشك الأجيال المقبلة في صحة روايته، فكتب: “آه، أهل المستقبل السعداء، الذين لم يعرفوا هذا البؤس وهذه الصدفة، سوف يصنفون شهادتنا في خانة الخرافات”.
أينما ذهب وحل وارتحل، خلّف “الموت الأسود” الدمار في أعقابه. في القاهرة، وهي واحدة من أكبر مدن العالم القديم وأكثرها غنى، تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى نصف السكان لقوا حتفهم في غضون أسابيع عدة -حيث تم الإبلاغ عن 13.800 حالة وفاة في أسوأ يومين فقط. وظهرت المقابر الجماعية في جميع أنحاء أوروبا في ذلك الوقت، حيث قام الناجون بالتخلص من الجثث المتراكمة على عجل، غالباً من دون إجراء الطقوس الأخيرة. وفي مقدمته لكتابه “ديكاميرون”Decameron (1353)، لاحظ المؤلف الفلورنسي، جيوفاني بوكاتشيو Giovanni Boccaccio، أن الروابط الاجتماعية انهارت لأن “هذه الآفة زرعت رعباً كبيراً في قلوب الرجال والنساء لدرجة أن الإخوة تخلوا عن إخوتهم، والأعمام عن أبناء إخوتهم، والأخوات عن إخوتهن”.
على المدى القصير، تسبب الوباء في اضطراب اقتصادي واسع النطاق وكرب اجتماعي كبير. في مواجهة شبح الموت الوشيك، توقف العديد من الناس عن الذهاب إلى العمل. وكتب بوكاتشيو: “تماماً مثل سكان المدن”، أصبح الفلاحون “متساهلين في طرقهم وأهملوا أعمالهم كما لو انهم يتوقعون الموت في ذلك اليوم نفسه”. وكتب الشاعر الفرنسي غيوم دي ماتشوت Guillaume de Machaut أيضاً: “لم يحرث أحدٌ الحقول/ أو يزِن الحبوب ويقطف العنب…/ لأنه مات الكثيرون”. وقد تحول البعض إلى شرب الكحول أو لعب القمار أو ممارسة أشكال أخرى مختلفة من السلوك الفاضح. وكان هناك ارتفاع ملحوظ في العنف الناجم عن كره الأجانب؛ حيث تبين أن الناجين في أجزاء مختلفة من أوروبا كانوا من الغرباء -وخاصة اليهود، الذين اتُّهموا بطريقة غير معقولة بتسميم الآبار.
تسبب “الموت الأسود” بكارثة ديموغرافية لا مثيل لها في أجزاء كبيرة من العالم القديم. ويقدر المؤرخ بروس كامبل Bruce Campbell أنه في إنجلترا وحدها، التي كان عدد سكانها قبل الطاعون يبلغ حوالي 4.8 مليون نسمة، توفي حوالي مليوني شخص بسبب الوباء في أقل من عامين. وسقط حوالي نصف القتلى خلال أشهر الصيف المميتة للغاية في العام 1349. وكانت التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عميقةً وهائلة. وفي مقدمته الكلاسيكية لتاريخ العالم، “المقدّمة” (1377)، سجل العالم العربي، ابن خلدون، أن الطاعون، الذي أودى بحياة والديه، فكتب: “نزل بالعمران شرقاً وغرباً في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي حاق بالأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وفلّ من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن”.
بعيداً عن معدل الوفيات المذهل للمرض، فإن ما أعطى “الموت الأسود” قوته التحويلية الكبيرة هو أنه ضرب المناطق التي كان النظام القائم فيها مسبقاً في حالة متقدمة من البلى والتدهور. كان هذا صحيحاً بشكل خاص في أوروبا؛ حيث كانت المجتمعات الإقطاعية تتصارع مع سلسلة من الأزمات الحادة لمدة نصف قرن على الأقل، مما جعل القارة غير مجهزة للاستجابة للتفشي. وكان ذلك الخليط من تغير المناخ، وتراجع المحاصيل الزراعية، والمجاعات المتكررة، وارتفاع الديون، والأزمات المالية، وتزايد التوترات الاجتماعية، وعدم الاستقرار السياسي المكثف، والتفكك النهائي لـ”سلام المغول” (1) -الذي قطع التجارة المربحة بعيدة المسافة بين الشرق والغرب- هو الذي ترك أوروبا في وضع ضعيف. وأدت إضافة جائحة مدمرة إلى هذا المزيج المتقلب إلى خلق عاصفة مثالية، والتي لن يتعافى منها النظام الإقطاعي بالكامل أبداً.


مع اندلاع موجات الصدمة الأولية في جميع أنحاء القارة، أعاد الطاعون على الفور تقريباً ترتيب العلاقات الاجتماعية القديمة بين الأغنياء والفقراء، واللوردات والأقنان، وقلب الطاولات على النخبة الحاكمة في أوروبا بطرق لم يكن من الممكن تصورها سابقاً. وكما يشير المؤرخ جيمس بيليش James Belich، فإن “الموت الأسود لم يقتصر فقط على خفض عدد السكان إلى النصف، وإنما ضاعف متوسط الوقف الفردي من كل شيء -السبائك، والسلع، والمباني، والحيوانات والأرض وما إلى ذلك… إذا لم يكن لخفض أعداد الناس إلى النصف ومضاعفة كل شيء آخر تأثير ثوري محتمل، فما الذي سيكون له مثل ذلك؟”.
كان أحد الآثار المباشرة لهذه الهزة الديموغرافية المفاجئة هو النقص الحاد في اليد العاملة: ببساطة لم يكن هناك ما يكفي من الفلاحين لفلاحة الحقول؛ ولم يكن هناك ما يكفي من البحارة لإدارة السفن؛ ولم يكن هناك ما يكفي من عمال الغزل لإبقاء أنوال النسيج دائرة، ولا ما يكفي من البنائين لبناء منازل جديدة، أو من الحرفيين لإنتاج الأدوات المنزلية المطلوبة. وقد عزز هذا النقص في اليد العاملة بدوره القدرة التفاوضية للعمال في المناطق الحضرية والريفية. وزادت الأجور اليومية، وأحياناً تضاعفت أو بلغت حتى ثلاثة أضعاف. وفي العام 1363، كتب المؤرخ الفلورنسي، ماتيو فيلاني Matteo Villani، متحسّراً أن “الفتيات الخادمات… وأولاد الاسطبلات يريدون ما لا يقل عن 12 فلورين في العام، والأكثر عجرفة بينهم يريدون 18 أو24 فلورين في السنة، وكذلك تفعل الممرضات والحِرفيون الصغار الذين يعملون بأيديهم، ويريدون ثلاث أضعاف الأجر المعتاد أو نحو ذلك”.
لكن الأجور المرتفعة لم تُترجم بالضرورة إلى مستويات معيشية أعلى. فقد شكّل العمال بأجر أقلية فقط من السكان العاملين في القرن الرابع عشر، وكثيراً ما استجاب أصحاب العمل لارتفاع تكلفة العمالة ببساطة بتوظيف عدد أقل منهم. كما أسهم انخفاض عدد أيام العمل في إحداث انكماش كبير في الناتج الاقتصادي الإجمالي، مما تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وأسهم في تغذية التضخم المتصاعد.
كان أفراد الطبقات العليا حريصين على إلقاء اللوم على الطرق المبذرة لـ”الناس الصغار”. وزعم فيلاني أن “عامة الناس، بسبب الوفرة والفائض الذي وجدوه، لم يعودوا يعملون بطرائقهم المعتادة؛ لقد أرادوا أغلى وأشهى الأطعمة… بينما لفّ الأطفال والنساء العاديون أنفسهم بجميع الملابس الجميلة والمكلفة للأشخاص اللامعين الذين ماتوا”. وسعت النخب الحضرية إلى تعزيز وضعها الاجتماعي من خلال فرض قيود على مطالب الأجور، وقواعد صارمة على شروط اللباس للطبقات الاجتماعية الدنيا، وقامت بمنع الفقراء من الانخراط في الاستهلاك الفاخر وارتداء الملابس مثل الأغنياء.
ساعد هذا القمع على المزيد من تقويض الاحترام الشعبي للسلطة السياسية. وفي محاولتهم اليائسة للحفاظ على موقعهم وامتيازاتهم، سعى النبلاء إلى تأمين دخلهم من خلال غنائم الحرب. وفي حين أن “حرب المائة عام” بين إنجلترا وفرنسا كانت قد بدأت مُسبقاً في العام 1337، فإن الصراع ربما استمر كل هذه المدة فقط لأنه أثبت أنه ممارسة مربحة بشكل خاص للنبلاء الذين كانوا قد اعتُصِروا مالياً. وكما يشير المؤرخ النرويجي البارز لحقبة “الموت الأسود، أولي بينيدكتاو، Ole Benedictow، فإن “النخب الاجتماعية، والطبقات السياسية، إذا جاز التعبير، كانت لها مصلحة قوية في استمرار الحرب” في أعقاب الوباء.
لكن تكثيف العدوان الإقطاعي جاء بتكلفة عالية. فلتعويض المحاربين الأرستقراطيين عن خدماتهم العسكرية، أُجبِر الملوك بشدة على زيادة العبء الضريبي على الفلاحين. وسرعان ما اندلعت موجة من الثورات الشعبية واجتاحت أرجاء القارة: من ثورة جاكري الفرنسية للفلاحين في العام 1358 وثورة الفلاحين الإنجليز في العام 1381، إلى ثورة ندّافي الصوف في فلورنسا العام 1378 إلى تمرد البقايا الكاتالونية في القرن التالي. وكشفت العديد من هذه الفصول عن ارتباط عصري مذهل بمبادئ المساواة. وقد استشهد نيكولو مكيافيلي Niccolò Machiavelli، في كتابه “تواريخ فلورنسا” (1532)، بعامل نسيج في فلورنسا ونقل عنه قوله: “سوف ترون أننا متشابهون؛ ألبِسونا ثيابهم وألبِسوهم ثيابنا، ومن دون أي شك سوف نبدو نحن نبلاء وسوف يبدون وضيعين، لأن الفقر والثروات فقط هي التي تجعلنا غير متكافئين”.


كان الشيء الأكثر تميزاً في المشهد الناشئ بعد الطاعون هو تنوع النتائج السياسية في جميع أنحاء أوروبا. في مواجهة صدمة مشتركة، استجابت دول مختلفة بطرق مختلفة جذرياً. في إنجلترا، أدت النضالات الشعبية بعد “الموت الأسود” إلى نشوء شكل جديد من الرأسمالية الزراعية. وفي فرنسا وإسبانيا، دخلت الأرستقراطية في تحالف مع الملَكية، مما أدى إلى مركزة السلطة السياسية في الدولة الاستبدادية المطلقة. وفي إيطاليا، ظلت السلطة لا مركزية داخل المدن/ الدول، مما سمح للأوليغارشية التجارية بتثبيت شكلها الخاص من الرأسمالية التجارية.
في الشرق الأدنى، كانت النتائج مختلفة. ضغط المُلاك العقاريون العسكريون في مصر المملوكية بشدة على الفلاحين لدرجة أن المجتمعات المحلية اضطرت باستمرار إلى حرث الحقول وإهمال أعمال الصيانة لنظام الري في النيل، مما تسبب في أن تصدع قنواته بالطمي وأفضى إلى تراجع الزراعة على المدى الطويل.
وبالمثل، دخلت الإمبراطورية البيزنطية في سكرات الموت بعد الطاعون، خالقةَ فراغ سلطة ليملأه العثمانيون، وهو ما أدى أخيرا إلى غزو القسطنطينية في العام 1453. وأدى صعود الإمبراطورية العثمانية إلى تحطيم الجهود الأوروبية لإعادة العلاقات التجارية المباشرة مع الشرق الأقصى. والجنويون، بعد أن فقدوا معقلهم على البحر الأسود، تحولوا غرباً على أمل العثور على فرص تجارية جديدة في المحيط الأطلسي.
وسرعان ما أسس التجار الجنويون حضوراً قوياً على طول ساحل غرب إفريقيا، وأصبحوا في النهاية منخرطين بكثافة في مزارع السكر البرتغالية في ماديرا والأزور. ولجأ البرتغاليون والجنويون إلى التشغيل القسري للأسرى الذين تم شراؤهم من الأباطرة وأمراء الحرب الأفارقة ليكونوا القوى العاملة لزراعة هذا المحصول مكثف العمالة -ممهدين الطريق لصعود تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. وسرعان ما أدت المغامرات الاستعمارية البرتغالية المبكرة إلى صراع تنافسي مع إسبانيا المجاورة، والتي بلغت ذروتها في الرحلات المتنافسة لكولومبوس وفاسكو دا جاما. وبهدف الالتفاف على احتكار المسلمين لطرق التجارة في الشرق الأقصى، تعثر المستكشف الجنوي في نهاية المطاف بالأميركتين، بينما دار نظيره البرتغالي حول إفريقيا للعثور على طريق مباشر إلى الهند. وبدأ عهد جديد في تاريخ العالم.
كان “الموت الأسود”، الذي عمل كمحفز قوي في هذه السلسلة المعقدة من الأحداث، حدثًا صانع حقبة حقّاً. وقد تعافى العالم في نهاية المطاف من أزمة العصور الوسطى المتأخرة التي ولّدها، ولكن إذا كان ثمة درس يمكننا استخلاصه من هذه التجربة التاريخية، فهو أن العواقب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لوباء كبير يمكن أن تستمر إلى ما هو أبعد من التأثير المباشر. وسوف يختفى هذا الوباء أيضاً -لكن الآثار اللاحقة قد تبقى معنا لفترة طويلة قادمة. وعلى الرغم من أن فيروس كورونا نفسه لن يخلق عالماً جديداً، فإن الطريقة التي تختار بها الحركات الاجتماعية والفاعلون السياسيون والقوى الدولية الاستجابة له سوف تفعل بالتأكيد.

*Jerome Roos: يدرّس الاقتصاد السياسي في كلية لندن للاقتصاد، وهو يكتب حالياً تاريخاً للأزمات العالمية لـ”جوناثان كيب”
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How plagues change the world

هامش المترجم:
(1) The Pax Mongolica (اللاتينية للسلام المغولي “Mongol Peace”)، أو “سلام التتار”، هي مصطلح تاريخي نُحِت على غرار العبارة الأصلية Pax Romana التي تصف التأثيرات الجالبة للاستقرار التي جلبتها فتوحات الإمبراطورية المغولية على الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لسكان الأراضي الأوراسية الشاسعة التي غزاها المغول في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. ويستخدم هذا المصطلح لوصف الاتصالات والتجارة الميسرة التي ساعدت الإدارة الموحدة على نشوئها، وفترة السلام النسبي التي أعقبت الفتوحات الواسعة للمغول.

“الموت الأسود”، كما تخيله رسام، يتربص بالعالم – (أرشيفية)
عمال يستعدون لتطهير محطة سكة حديد ووهان في مقاطعة هوبي، الصين آذار (مارس) – (أرشيفية)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock