أفكار ومواقف

هل يمكن إخفاء الفقر يا حكومة؟!

تكشف بعض التسريبات قرارا للحكومة بعدم إعلان نتائج مسح دخل ونفقات الأسر للعامين 2017/ 2018، الذي انتهت منه دائرة الاحصاءات العامة، وكان مقررا نشره رسميا قبل نهاية العام الماضي. طبعا هذا المسح هو الذي يظهر بدقة ضمن مؤشراته الأساسية نسب الفقر وأرقامه وما وصلته بالمجتمع الأردني.
ما يدور من احاديث بالغرف المغلقة أن النسب والأرقام لمشكلة الفقر بالمسح وإشارتها لتعمق الفقر وحدته وتوسع قاعدته، هي ما دفع لاخفاء النتائج وعدم نشرها رسميا. بل ثمة ما يتسرب من اخبار حول الزام بعض الموظفين ممن عملوا على المسح وتحليل واستخراج نتائجه بعدم كشف النتائج تحت طائلة المسؤولية، وأيضا تم الزامهم بالقسم على القران الكريم لعدم التسريب!
الابتعاد عن الشفافية وعدم المغامرة بمواجهة الرأي العام بنتائج صادمة لأثر السياسات الاقتصادية المتراكمة للدولة ليس هو المرة الأولى، فقد سبق أن امتنعت الحكومة عن نشر نتائج ذات المسح للعامين 2013/ 2014، لكنها اكتفت بالتلميح بخطتها لتحفيز النمو الاقتصادي الى ان نسبة الفقر ارتفعت من 14.4 % العام 2010 الى 20 % في 2016.
ويفترض أن تنبني الإستراتيجية الوطنية للحد من الفقر والحماية الإجتماعية، التي تعكف عليها الحكومة حاليا، على مؤشرات الدخل والنفقات للأسر ونسبة الفقر وخطه، التي خرج بها المسح، لكن المتوقع ألا يتم نشر هذه النتائج ولا حتى تضمينها للاستراتيجية، وإن كانت ستعكس بلا شك ما خرج به المسح من نتائج صادمة، خاصة وأن برنامج الدعم التكميلي لصندوق المعونة الوطنية، ضمن الخطة، سيرفع بمرحلته الأولى عدد مستفيدي “المعونة” بواقع 25 ألف أسرة، وصولا إلى 85 الفا جديدة بحلول 2021.
ولنا أن نتخيل ما هي الأرقام الصادمة التي يكشفها المسح “الموؤود”، إذا عدنا فقط للتوقف عند ما نشر بآخر دراسة رسمية للفقر العام 2010، حيث صنفت الأسرة التي تنفق شهريا أقل من 500.5 دينار ضمن الطبقة الفقيرة (دون خط الفقر) والأسرة التي تنفق بين 500.6 و813 دينارا شهريا ضمن شريحة الاسر ذات الدخل المحدود، والتي تنفق بين 813.5 و1112.3 دينار ضمن الطبقة الوسطى.
طبعا؛ أيننا اليوم من أرقام الفقر لعام 2010؟! بعد أن طال “التحرير” والرفع المشتقات النفطية والكهرباء وتضخمت مروحة ضريبة المبيعات والضرائب المقطوعة والتي شملت معظم السلع والخدمات الإرتكازية، ما ولد سلسلة شيطانية من الارتفاعات والكلف الباهظة على الأسر من مختلف الطبقات.
كمواطنين؛ لسنا بحاجة لنتائج مسح الإحصاءات لمعرفة معنى وقساوة الفقر الذي بات يلف أعدادا متضخمة من الأسر، ولا معرفة آثار السياسات الإقتصادية والمالية القاسية التي قصفتنا بها الحكومات الأخيرة، والتدمير والتهشيم الواسع الذي لحق بالطبقة الوسطى وهوَى بأغلب أسرها إلى مستوى الفقر ومحدودي الدخل.
وبخلاف ما يتحفنا به منظرو الحكومات من اضطرار تلك الحكومات لاتخاذ سياسات وقرارات اقتصادية ومالية قاسية، من تحرير ورفع ضرائب، حتى نصل إلى مرحلة التعافي الاقتصادي، وينخفض العجز بالموازنة وتنخفض المديونية لندخل مرحلة الاعتماد على الذات، فإن هذا التنظير لا يقدم سوى نصف الحقيقة!
الحقيقة، التي يمكن أن تفسر ما حصل مع الحكومات الأخيرة وكيف أوصلتنا لهذا الدرك الاقتصادي والمعيشي دون أن تحل أزمة العجز والمديونية، هي أنها حكومات، وبخلاف ما تغنّت به، كانت حكومات ترحيل أزمات ومشاكل سياسية هامشية بتعيينات واسترضاءات وإنفاق لأغراض سياسية قصيرة المدى، هدفها تمديد عمر الحكومة وإزالة بعض العقبات من أمامها، خاصة بباب التعيينات وزيادة تضخم الجهاز الحكومي وشبه الحكومي والإنفاق العام.
ترحيل الأزمات ذلك، أُعتمد مع الإصرار على السياسات الجبائية القاسية، ما خلق وفاقم مشاكل اقتصادية ومعيشية ببنية الموازنة والاقتصاد.. تبدّت تداعياتها وآثارها؛ مشاكل أمنية وسياسية واجتماعية أكبر وأخطر، نعيش أجواءها اليوم!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock