أفكار ومواقف

هل يمكن التدّخل بالانتخابات؟

لا يتردّد وزير سابق، وناشط إعلامي حاليا، في الدعوة، في تغريدة له عبر حسابه في “توتير”، إلى تدخل “الدولة” بالانتخابات النيابية، وذلك بحسب ما يرى: “بهدف أن نقضي على تأثير الأموال على الانتخابات وأن نفوت الفرصة على الباحثين عن المصالح الشخصية فيها وأن نضمن وصول كفاءات نوعية من أصحاب القدرات والمهارات”.
مع الاحترام لصاحب هذا الرأي، فهل حقا إن التدخل الحكومي بالانتخابات الطريق الصحيح لتجاوز أزمة العمل النيابي؟ بل السؤال الأول هو: هل غاب التدخل الرسمي عن الانتخابات يوما، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ وما هي النتيجة والمحصلة لمثل هذا التدخل إن كان قد حصل؟
أعتقد أن النقاش على هذا الصعيد يجب أن ينطلق بداية من التشخيص الصحيح والدقيق لأزمة العمل النيابي، التي يكاد يجمع الجميع على وجودها واستفحالها كإحدى أبرز عناوين الأزمة العامة والتي باتت عابرة للمجالس النيابية منذ عودة الحياة الديمقراطية العام 1989. وقد لا يختلف الكثيرون على أن أهم محاور أزمة العمل النيابي هي في غياب الكتل النيابية البرامجية الحقيقية والاعتماد على الفردية، ما يعيدنا إلى مشكلة قانون الانتخاب والنظام الانتخابي الذي يدفع رغم ما لحقه من تحسينات نسبية لكن متواضعة إلى تكريس هذه الحالة وبقاء الأزمة.
كما تتمثل الأزمة في العلاقة المشوهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية كإحدى مخرجات النظام الانتخابي، حيث التأثير المباشر والكبير للحكومة على النائب عبر تمرير مصالح شخصية أو مصالح لقاعدته الانتخابية بما يضمن عودته لقبة البرلمان. وبالتوازي مع ذلك فإن التحكم غير المباشر بمدخلات العملية الانتخابية أمر بات واضحاً عبر التجارب الانتخابية المتعاقبة حيث التسهيلات والدعم غير المباشر لمرشحين مقابل آخرين.
حتى في قضية المال السياسي وصعود عشرات النواب من طبقات رجال الأعمال والمال فإنها لم تكن بعيدة عن رغبة الحكومات ولا تسهيلاتها، فهندسة وتصميم الأغلبيات النيابية بالمجالس المتلاحقة فن أتقنته الحكومات والجهات الرسمية سواء عبر تحديد سقوف النظام الانتخابي أو عبر مروحة واسعة من التدخلات والتسهيلات غير المباشرة ودون الاضطرار للتدخل المباشر إلا في بعض الحالات السابقة والفاضحة كما جرى في الانتخابات البلدية والنيابية العام 2007.
بالمحصلة فإن الثابت هو أن التدخل الرسمي في الانتخابات، وهو في الغالب يتم بصورة غير مباشرة لكن قوية عبر التشريع وعبر التسهيلات والخدمات وهندسة التحالفات هو سبب رئيسي وأساسي لترسخ أزمة العمل النيابي الممتدة عبر ثلاثة عقود، ولا يمكن اليوم المراهنة على حسن النوايا لتأييد هذا التدخل بدعوى الحد من وصول نواب من أصحاب المال أو غير الأكفاء أو من الباحثين عن مصالح شخصية.
إن كان مطلوباً من الدولة، بمفهومها الأوسع والأشمل من الحكومة، التدخل لتجويد مخرجات العملية الانتخابية وحل أزمة العمل النيابي فإن ذلك يحتاج لوعي وإيمان حقيقيين بحجم الأزمة وضرورة تجاوزها وهو ما يتطلب إصلاحا حقيقيا، تكون بدايته ومدخله تطوير قانون الانتخاب ونظامه الانتخابي بحيث يكون صديقا للعمل الحزبي والكتلوي البرامجي لا معاديا ومنفرا من العمل الحزبي ولا مشجعا على العمل الفردي وعلى قوة المال والنفوذ العشائري والمناطقي.
بالتوازي مع ذلك، فإن أهم تدخل إيجابي للحكومة بالعملية الانتخابية، إن كان هناك تدخل إيجابي، هو النأي بنفسها عن تقديم أي دعم أو تسهيلات فردية لمرشحين بمنافسة آخرين، والتشديد بتطبيق القانون بمكافحة المال السياسي بالانتخابات وتوفير أعلى درجات الشفافية والنزاهة للعملية الانتخابية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock