ترجمات

هل ينطبق مبدأ “مسؤولية الحماية” على العراقيين؟

غاريث إيفانز*

كانبيرا– هناك مبرر واحد ممكن -أخلاقياً أو سياسياً أو عسكرياً- لتجدد التدخل العسكري الغربي أو من طرف أي جهة خارجية أخرى في العراق: الوفاء بالمسؤولية الدولية عن حماية الضحايا أو الضحايا المحتملين أو منع جرائم الفظائع الجماعية -الإبادة الجماعية، أو التطهير العرقي، أو غير ذلك من الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب الكبرى.
والواقع أن الشيعة وآخرين من المسلمين غير السُنّة الذين يضعهم قدرهم في طريق القوات الغازية النهّابة التابعة لتنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) -وهي الجماعة التي تتسم إيديولوجيتها وسلوكها بالتطرف الشديد حتى بالمقارنة بتنظيم القاعدة- لديهم الكثير من الأسباب الوجيهة للخوف من مثل هذه الفظائع. ولا شك أن عمليات إعدام بشعة قد نفذت في حق أفراد عسكريين وغيرهم من الأسرى في مدن الموصل وتكريت وغيرهما من المدن التي استولى عليها تنظيم داعش.
ولكن، واستناداً إلى الأدلة المتاحة حاليا، فإن من السابق لأوانه أن نستنتج أن أعمال العنف التي تمارس ضد العزل قد وقعت مسبقاً -أو أن وقوعها بات وشيكاً- على نطاق كاف لتبرير التدخل العسكري الخارجي.
وبالرغم من أن الخبراء كانوا على خطأ بشأن كل شيء تقريباً يتصل بهذه الجولة من العنف، فإن أفضل تقييم للموقف العسكري الحالي في المجمل هو أن المرحلة الحادة من الأزمة قد انقضت. ذلك أن تعبئة المليشيات الشيعية يعني أن السيناريو المروع، أي سقوط بغداد، لم يعد مرجحاً بالرغم من انهيار الجيش العراقي فعلياً.
ومن الممكن وفقاً لوجهة النظر هذه أن نتوقع حرباً أهلية مطولة قد تكون نتائجها الأكثر ترجيحاً في الأمد البعيد تقسيم البلاد على طول خطوط الصدع العرقية والطائفية. ووفقاً لهذا السيناريو، سيسيطر الأكراد على الشمال، ويحكم العرب السُنّة في الغرب والوسط، ويحتفظ الشيعة بالسلطة في بغداد والجنوب.
من الصعب أن نسوق أي حجة مقنعة لدعم التدخل العسكري بهدف مساندة الحكومة الحالية ومحاولة تمكينها من إعادة ترسيخ سلطتها في البلاد بالكامل. والواقع أن رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي كان وحشياً وفاسداً وطائفياً إلى حد فاضح وباعث على الاشمئزاز -وهو يوقع أنصاره في الولايات المتحدة، بل وحتى رعاته في إيران، في حرج شديد. ومن المؤكد أن الانحياز إليه في حرب أهلية طائفية، حتى ولو ساعد ذلك في تحقيق التقارب الذي تسعى إليه الولايات المتحدة بشدة مع إيران، سيكون من شأنه ببساطة أن يغذي مرجل الشرق الأوسط المشتعل بالمزيد من الوقود.
قد تختلف الأمور إذا تسنى إقناع المالكي بالتنحي لصالح إدارة شيعية سُنّية كردية عريضة القاعدة، وعازمة على أن يكون حكمها جامعاً وأن تقوم ببناء جيش وطني غير سياسي. ولا بد من البدء في تعبئة الجهود الدبلوماسية المكثفة لتحقيق هذه الغاية. ولكن هذا المشروع فشل في الماضي، وما تزال الزعامة المحلية اللازمة لضمان نجاحه غائبة تماماً.
وحتى إذا تم التوصل إلى مثل هذه النتيجة السياسية المثالية، فإن من الصعب أن نرى ما القيمة التي يمكن إضافتها من خلال التدخل العسكري الخارجي الذي يستهدف تدمير تنظيم “داعش” بوصفه قوة سُنّية مسلحة. ولعل الدعم الاستشاري والفني المحدود الذي تعرضه الولايات المتحدة حالياً يكون مفيداً بعض الشيء. ولكن بعيداً عن هذا، تحتاج الغارات الجوية إلى أهداف -والتي يصعب تحديدها عندما لا تكون هناك جيوش متحركة- وكثيراً ما تسفر مثل هذه الغارات عن وقوع ضحايا بين المدنيين الأبرياء. ولم يكن حتى تواجد 150 ألف فرد من القوات الأجنبية على الأرض كافياً لجلب الاستقرار إلى البلاد بعد التدخل العسكري المشؤوم بقيادة الولايات المتحدة في العام 2003، والذي اعتمد على قدر مروع من سوء التقدير.
لا شيء من هذا يعني استبعاد خيار التدخل العسكري الخارجي في حال وقوع جرائم الفظائع الجماعية -أو كانت احتمالات وقوعها قوية- على أيدي المنتمين إلى تنظيم داعش أو أي جهة أخرى. ففي العام 2005، أعلن 150 من رؤساء الدول والحكومات في الأمم المتحدة عن دعمهم بالإجماع للمسؤولية الدولية عن حماية السكان المعرضين للخطر، والتي قد تتخذ في بعض الحالات القصوى هيئة التدخل العسكري بتفويض من مجلس الأمن، كما حدث في العام 2011 في الاستجابة لسلوك نظام معمر القذافي في ليبيا.
الواقع أن الخلاف حول استخدام هذا التفويض لفرض تغيير النظام، بدلاً من الاكتفاء بحماية المدنيين، أفضى إلى إصابة مجلس الأمن بالشلل في مواجهة فظائع مماثلة في سورية. لكن الدعم الدولي لمبدأ المسؤولية عن الحماية يظل قوياً، حيث يواصل المجلس ذاته استخدام مصطلح “المسؤولية عن الحماية” في قراراته وبياناته (12 مرة على الأقل منذ التدخل في ليبيا). وليس من المستحيل أن نتصور نشوء الإجماع من جديد إذا حدثت جرائم جديدة فظيعة بالقدر الكافي في العراق.
بطبيعة الحال، لن يحصل مثل هذا التدخل على الموافقة على أرض الواقع، أو لا ينبغي لهذا أن يحدث، ما لم يكن يلبي عدة معايير أخلاقية واحترازية، والتي كانت بالرغم من عدم تبنيها من قِبَل الأمم المتحدة حتى الآن بوصفها معاييراً رسمية، موضوعاً لقدر كبير من المناقشات الدولية والقبول على مدى العقد الماضي.
وتتلخص تلك المعايير في أن تكون الفظائع التي تحدث، أو يُخشى حدوثها، خطيرة بالقدر الكافي لتبرير الاستجابة العسكرية المشروعة؛ وأن تستند هذه الاستجابة إلى دافع إنساني أولي؛ وأن لا تكون أي استجابة أخرى فعّالة في وقف أو تفادي الضرر؛ وأن تكون الاستجابة المقترحة متناسبة مع التهديد؛ وأن يكون التدخل فعّالاً على أرض الواقع، وأن يكون النفع الذي قد يجلبه التدخل أعظم من الأضرار التي قد تترتب عليه.
الواقع أن هذه المعايير، والأخيرة منها بشكل، سوف يكون من الصعب تلبيتها دوماً. أما في حال ظهور حجة واضحة تدعم التدخل في العراق، فلا ينبغي لنا أن نسمح لرغبتنا في عدم تكرار التدخل المضلل في العام 2003 بدفعنا إلى التقاعس -كما فعلنا في كمبوديا وراوندا والبوسنة وأماكن أخرى كثيرة- عن الاستجابة على النحو الذي يمليه علينا ضميرنا الإنساني المشترك.
*وزير خارجية أسترالي سابق (1988-1996)، ورئيس مجموعة الأزمات الدولية، وهو حالياً مستشار الجامعة الوطنية الأسترالية، وأستاذ زائر مميز في الجامعة الأوروبية المركزية. وهو رئيس مشارك للمركز العالمي لمسؤولية الحماية في نيويورك، ومركز عدم الانتشار النووي ونزع التسلح في كانبيرا.

*خاص بالغد، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock