أفكار ومواقف

هل يوحّد فيروس كورونا العالم؟

فاجأ فيروس كورونا المستبد العالم أجمع، فوجده غير مستعد: إداريا وصحيا وطبيا واقتصاديا… لقد شكل اختبارا صعبا له فوجده راسبا. لا تختلف نتائج الدول المتقدمة في الاختبار عن نتائج الدول النامية والمتخلفة فيه ما عدا كوبا التي تفوقت على الجميع في استيعابه وصدّه. ثم الأردن الذي نجح في وأده.
وبدلا من التعلّم منهما سارع ترامب المضطرب إلى اتهام الصين –مصدر الوباء- بتصنيعه في المختبر وإطلاقه، وكأن الصين تستمر في الازدهار إذا انهار اقتصاد أميركا وأوروبا والعالم. كما اتهم كثير من الناس الحكومات بسبب الإجراءات المتخذة حياله بالتآمر. بينما أنكر عدد آخر وبخاصة الحكام الشعبويين -كرئيس البرازيل- وجود الوباء على الرّغم من ملايين المصابين به ومنهم حضرته، ومئات آلاف الضحايا الذين سقطوا ويسقطون نتيجة له.
والحقيقة أنه وباء حقيقي ومعد جدا، وأن جميع نظريات المؤامرة حوله سخيفة سببها الجهل أو التجاهل أو حب الشهرة حسب نظرية خالف تعرف. وهو كذلك تحد كبير للمجتمع الدولي وليس خطرا عليه فحسب.
أما حالات الفزع والتشويش والاضطراب التي عمت المجتمعات والبلدان به، فناتجة عن الصدمة، أي صدمة المفاجأة، لأن العالم لم يكن متوقعا أو مستعدا لهكذا خطر وتحد، فكان على الحكومات والناس التعلّم بالصدمة كالإنسان البدائي مما أدى إلى فوضى أولية عارمة لأنه لا يوجد في سوق الدواء لقاح يقي منه أو يُعالج به، وهو التحدي الأول له.
وهكذا صار على الحكومات مواجهة خطرين في الوقت نفسه وهما الخطر على الصحة والخطر على الاقتصاد اللذين ضربهما الفيروس، كما يقول الأستاذ هانس دمبوسكي رئيس تحرير مجلة D+C الألمانية (Vol. 47, 3-4/2020):
ولما كان هذا الوباء السريع العدوى وشديد الخطر، والعالم متداخلا في عولمة واحدة أو سوق عالمي واحد، فإنه لا يمكن لأي دولة وحدها أن تنجو نهائيا منه. أي أنه إذا لم يتم تنظيف العالم بأكمله منه، فإن خطره عليه يظل قائما بزائر أو عابر للحدود غير شرعي يحمل الفيروس إلى بلد ما فيه. وإذا كان لذلك من معنى، فإن معناه أن التعاون الدولي ضروري وحتمي ليتخلص العالم كله من هذا الوباء. ويجب أن يكون تعاون الدول فيه شبيها بحركة السوائل في الأواني المستطرقة، فيقدم الغني الكثير، وإن قدم الفقير القليل أو لا شيء، لينجو. هذا هو التحدي الثاني للوباء.
وبما أن جميع الاقتصادات في العالم تضررت، فيجب أن يحدث الشيء نفسه اقتصاديا، أي أن يتم حمل الدول القوية أو الغنية اقتصاديا الدول الفقيرة على ظهرها، لتنجو، لأن الفقر حاضن للوباء والأمراض المعدية، لضعف المناعة عند الفقير نتيجة انخفاض مدخلات الصحة في غذائه وارتفاع كلفة العلاج عليه. وهذا هو التحدي الثالث له.
يقول هانس دمبوسكي: لقد علمنا فيروس كورونا درسا غير عادي وهو أن حماية أنفسنا من المرض تعني حماية غيرنا في الوقت نفسه منه. والتباعد الفيزيقي أو الجسمي أكبر دليل عليه. ونلتزم به كي لا ننقل الفيروس إلى الآخرين، وكي لا ينتقل منهم إلينا. ومن ثم فإن للجميع مصلحة مشتركة في ذلك.
إن فيروس كورونا تحد عالمي وليس خطرا فقط كما ذكرت. وعليه فإن التعاون الدولي لصده ووأده ضروري وحتمي، وحتى لو أغلق بلد ما حدوده تماما أمام القادمين، فإن نفرا منهم حاملا للفيروس قد يخترقها بصورة غير شرعية. مما يجعل خطر كورونا قائما إلى أن ينتهي في العالم كله، كما يفيد دمبوسكي.
ويضيف: إن ذلك يعني أو يتطلب توافر وسائل الوقاية والفحص والعلاج نفسها في جميع بلدان العالم. لا يجوز احتكار السلع الطبية اللازمة، لأن هذا الاحتكار يرتد على صاحبه في النهاية. إن حرمان البلدان الفقيرة منها سيكون مدمرا.
مثلما مصلحة العالم مشتركة أو واحدة في التصدي لهذا الوباء، فإنها كذلك واحدة اقتصاديا كما ذكرنا، لأن اتساع الفقر والبطالة الناجمين عن الوباء سيكونان أشبه بقنبلة موقوتة. ولكن دمبوسكي متشائم حيال الأمرين، لأنه يوجد حكام شعبويون ويمين متطرف في بعض البلدان يرفعون شعار بلدي أولا، لم يذكرهم بالاسم مثل حكام أميركا والبرازيل والمجر وبولندا… لكن الوباء يفرض العالمية أو عالما واحدا على الجميع على الرّغم من هؤلاء الزعران، ويقدمه على القومية والوطنية والدين. لعل أحد أعظم الفوائد التي سيخلفها فيروس كورونا هي وضع نهاية للدولة الأبوية أو الريعية أينما كانت.
ملاحظة: يوجد في التحدي بُعد إيجابي فعندما نقول: إسرائيل خطر وتحد، فإن تحديها لنا كفلسطينيين وعرب ان ننهض ونواجه هذا الخطر ونحتويه، لا أن نقيم فيه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock