أفكار ومواقف

هل یصلح الاعتصام لتحقيق إصلاح عام؟

دخلت الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات إلى العمل السیاسي والعام لتكون الأداة الاكثر حضورا واستخداما للعمل والتأثیر. بل تكاد تكون الوسیلة المهیمنة الیوم للمعارضة.. وفي ذلك فقد دخلت المجتمعات والمعارضات في مأزق منهجي. وإذا لم تغیر أدواتها في العمل والتأثیر فسوف تتغیر هي نفسها. وتتحول إلى جماعات احتجاجیة وربما اناركیة. وبطبیعة الحال سوف یتغیر محتواها الفكري. كما یتغیر أیضا تكوینها الاجتماعي والتنظیمي.
الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات والعرائض تصلح لقضية محددة وواضحة. وتنتهي بالاستجابة او تحقیق الهدف أو بتسویة بین اطراف الخلاف.. او الانسحاب. مثلا تسعیر عادل للمحروقات او تشریعات ضریبیة عادلة.. أو استقالة الحكومة، ولا يتجاوز الحراك في مداه ونجاحه أو فشله هذا الهدف المحدد، كما لا يوجد في العمل العام حالة من الاحتجاج الدائم المتواصل، لكنه (العمل العام) يومي تفاعلي يقوم على المكاسب الصغيرة والتسويات المستمرة.
معظم المحتوى المعلن للحراكات الشعبیة او التجمعات الاحتجاجیة في الدوار الرابع لا یصلح لتحقیقها الاحتجاج والتظاهر لكنها یجب ان تكون محصلة التأثیر في السیاسات والتشریعات والموازنات من خلال الحیاة السیاسیة والعامة وبمنظومة واسعة وممتدة من الاعمال والتجمعات السیاسیة والاجتماعیة والانتخابیة.
مرجح ان اللجوء إلى الرابع بدلا من العمل السیاسي والاجتماعي والنقابي یعكس الیأس وحالة الانسداد في الادوات والاوعیة السیاسیة والانتخابات. لكن الحل لیس باللجوء إلى الاحتجاج على نحو دائم ومتصل أو وكأن الاحتجاج وسيلة عمل مؤسسية، لأن مطالب الارتقاء بالدیمقراطیة كثیرة جدا ومعقدة وملتبسة ومتدرجة وطویلة الأمد وعلى نحو لا یمكن الاستجابة لها بقرار أو وعود او تسویات كما یجري عادة في إدارة وتنظیم المظاهرات والاعتصامات.
بدأ الانفصال بین المعارضة السیاسیة والإصلاح عندما استدرجت إلى السیاسة الخارجیة أو قضایا كبرى تتجاوز حدود الدولة وقدراتها. ودفعت بنفسها إلى معارضة أبدیة ونظریة لا تضر ولا تنفع، ثم وبطبیعة الحال حدث الانفصال عن الطبقة الوسطى ومصالحها وأولویاتها.
هكذا تحولت الأحزاب والنقابات إلى نخب بلا قواعد اجتماعیة أو بقواعد اجتماعیة غیر اصلاحیة. وفي الوقت نفسه ارتدت الطبقات الوسطى إلى حلول وأدوات وتحالفات غیر اصلاحیة. وفي هذا السیاق یمكن ملاحظة صعود المدارس والمستشفیات الخاصة كحلول اجتماعیة لانهیار القطاع العام واختلال سیاسات الإنفاق والأداء العام. وكذلك صعود العشائریة السیاسیة والتحالف بین قادة الأعمال وبین السلطة.
تبدأ استعادة العمل الإصلاحي بالقدرة على الربط بین المجتمعات والعملیات السیاسیة الروتینیة. واقصد الانتخابات النیابیة والبلدیة والنقابیة واقرار الموازنة السنویة وتشكیل الأحزاب والنقابات والعمل البرلماني التشریعي والرقابي. أو في صیغة سؤال عملي كیف تجتذب الأحزاب والنقابات قواعد اجتماعیة تتطلع إلى إصلاحات عملیة وواضحة؟ كیف تربط الطبقات الوسطى بین مصالحها وبین الدیمقراطیة ؟ وعلى سبیل المثال متى وكیف تلجأ المجتمعات إلى المعارضة والأحزاب والنقابات عندما تفكر في عملیات تأثیر لإصلاح التعلیم العام بدلا من اللجوء إلى المدارس الخاصة؟ كیف تربط الطبقات الوسطى بین قانون الموازنة وبین أهدافها؟ وكیف یربط رجال الأعمال مصالحهم بالدیمقراطیة بدلا من الرشوة والفساد؟
لیس لدي إجابة مقترحة لتطویر وإصلاح الحیاة السیاسیة والعامة او دلیل واضح للعمل. لكن نستطیع ان ننشئ عملیات حوار واستماع واسعة وشاملة تنشئ خریطة طریق لما نریده ونحتاجه ونسعى إلیه. أو ببساطة ما نحب أن نكون وما یجب أن نكون وما نرید أن نكون. وبالتأكید فإنها عملیات طویلة الأمد وقاسیة ومملة.. وهذا یجعلها غیر جاذبة للحكومات والمعارضات التي تتطلع إلى إنجاز سریع وشعبي یلفت اهتمام وتأیید عدد كبیر من الناس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock