أفكار ومواقف

هناك بشر يعيشون في الفحيص

يبدو أن على نشطاء العمل البيئي في مدينة الفحيص أن يستعدوا من جديد لمواصلة نضالهم البيئي المستمر منذ عشرين عاما، وبحسب المصطلح الفحيصي المحبب “أن يلبسوا البساطير”، حتى يتخلصوا من قضية تداعيات وجود مصنع الإسمنت ومشاكله البيئية التي لا تنتهي، والتي وصل الأمر معها يوما إلى غضب الملك الراحل الحسين بن طلال، إذ قال خلال لقائه نواب المنطقة آنذاك “يوجد بشر تسكن هذه المنطقة”، موضحا انزعاجه شخصيا وانزعاج أبنائه من المشاكل البيئية التي يتسبب بها مصنع الإسمنت.
نشطاء العمل البيئي في الفحيص والمناطق المجاورة لم يصمت نضالهم في أي فترة، وقد انتزعوا حقوقا عديدة في بيئة نظيفة، كان أبرزها عدم السماح لإدارة مصانع الإسمنت باستخدام مادة الفحم البترولي، والتي هي عبارة عن مخلفات مصفاة البترول كوقود رخيص. والإنجاز الأبرز عندما انتهى امتياز شركة الإسمنت قبل سنوات، أن وصلت القناعة الحكومية إلى ضرورة ترحيل المصنع، وعلى هذا الشعار بنى نشطاء البيئة في المنطقة جملة أنشطة خاضوها بدءا من الاعتصامات العديدة أمام بوابات مصانع إسمنت الفحيص، إلى المذكرات والبيانات المناشدة بإنهاء المشكلة البيئية المزمنة في المنطقة، حيث يكفي أكثر من ستين عاما من المعاناة الناتجة عن تلويث الإسمنت لبيئة الفحيص، والكلف الاقتصادية والاجتماعية التي تكبدتها المدينة والأهالي وخزينة الدولة، وهي أكثر من كافية ليصل الأهالي إلى القناعة التي جسدوها من خلال برنامجهم الرافض لبقاء المصنع في الفحيص، والمطالبة برحيله فورا، وإصرارهم على تحقيق شعار: العام 2010 “الفحيص مدينة خضراء خالية من صناعة الإسمنت وأشكال التلوث”.
بعد أن تخلص أهالي الفحيص من شبح الفحم البترولي، تعود إليهم إدارة الشركة من جديد لاستخدام الفحم الحجري بديلا عن الوقود المستخدم، وبحجة ارتفاع كلفة المحروقات. ففي اجتماع لجنة العمل والتنمية الاجتماعية النيابية الذي عقدته الأحد برئاسة النائب عبدالكريم أبو الهيجاء، استمعت إلى معلومات خطيرة أدلى بها وزير البيئة ياسين الخياط، حيث قال إن إعادة تصنيع مادة الفحم لا تؤثر على البيئة، زاعما أن هناك ضغوطا تمارس من قبل أهالي منطقة الفحيص على الحكومة بعدم السماح لمصنع الإسمنت بإنتاج مادة الفحم الحجري لكونه يقع في وسط منطقة سكنية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الوزارة سمحت للمصنع بطحن المادة واستخدامها.
معلومات وزير البيئة، المفترض أنه الأكثر حرصا على بيئة نظيفة وحق المواطنين في بيئة نظيفة وحياة صحية، تتناقض مع تصريحات سلفه وزير البيئة السابق طاهر الشخشير في 14 حزيران (يونيو) الماضي، حيث قال إن استخدام الفحم الحجري محرم دولياً، وإن الوزارة لن تسمح للمصانع باستخدامه إلا إذا كانت بعيدة عن التجمعات السكنية ما يقارب 9 كيلومترات.
لا أدري إن كان الوزير الخياط يعرف أن مصانع الإسمنت في الفحيص تقع في قلب أجمل مناطق الأردن، ولا تبعد أسوار المصنع عن السكان 9 أمتار وليس 9 كيلومترات، وأن الفحم الحجري من وقود الزمن البائد، حيث أسقطته الدول من حساباتها، وتراجع استخدامه كثيراً بالرغم من أزمة البترول والغاز العالمية.
أهالي الفحيص، وبعد سنوات النضال البيئي الطويلة، تجاوزوا فكرة وجود المصنع بينهم. ومنذ سنتين يفكرون باستراتيجية ما بعد مصنع الإسمنت، وكيف ستكون منطقتهم بعد المصنع، وكيف سيتم التعامل مع أراضيهم التي تقدر بنحو 2000 دونم، والتي أكل مصنع الإسمنت خيراتها طيلة هذه السنوات، وحوّلها إلى مناطق جرداء، وهل ستعود لهم، وقيمتها تصل إلى ملايين الدنانير، حتى يحولوها إلى محمية طبيعية، تعيد الحياة من جديد لبساتين المنطقة وأشجارها التي جفف خضارها الإسمنت وغباره، أم أن ما يتسرب عن التفكير الرسمي بإعادة استملاك هذه الأراضي من جديد لتحويلها إلى منطقة صناعية، أو إسكانات حكومية.. صحيح؟

تعليق واحد

  1. هذا زمن حقوق البشر
    الاستاذ اسامه الرنتيسي المحترم
    لقد عبرت وكعادتك عن الحقيقه بكل جوانبها واود ان تعلم اننا التقينا وزير البيئه قبل اسبوع وما قاله لنا يختلف تماماعن ما قاله امام اللجنه التي اشرت لها وكذلك ماقاله يختلف تماما عن ماقاله وزير البيئه الذي سبقه بشهر فقط……لذلك اود ان تعلم ويعلم وزراء البيئه الحالي والقادمين ان الفحيص اخذت قرارها بالدفاع عن حقوقها بكل الطرق المتاحه …وهي كثيره في هذه المرحله كما يعلم الجميع…وشكرا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock