أفكار ومواقف

هنا الشرق!

أنتَ هُنا تمارسُ الحياة كأنَّها مصافحَةٌ ثقيلةٌ لزوجَةِ الأبِ قبلَ “أربعينِ” الأم، كأنَّها أيضا سيدة طاعنةٌ ينبغي أنْ ترعاها كجدَّتِكَ..، عبءٌ هي تُحاولُ التخلصَ منه بأنْ تنامَ في أيِّ وقتٍ واقفا أو مضطجعاً، في موعدٍ متقدِّم أو متأخِّرٍ، حين تتأكَّدُ أنَّ مبرِّرَكَ واحدٌ في النوم أو الممات؛ فهنا الشرقُ..الموتُ فيه مستوى معيشي!
هُنا الحربُ أعيادٌ موسمية يُعلنُ عنها التلفازُ في التاسعة صباحا، فينتظمُ الناسُ في الموتِ العشوائيِّ ويتوزَّعون وفق الميول للقنوات الفضائية بين شهداء أو قتلى أو ضحايا أو مذنبين..؛ هنا الشرق: الموتُ له منسوب ثابتٌ، ومعدل موسميٌّ، والفارقُ الرقميُّ بين شهداء اليوم وشهداء الأمس يمكن تعويضه في شريط عاجل!
يتمنَّى، هُنا، الأبُ الشرقيُّ لو بالَغَ “جبران خليل جبران” في تعنيفه، وأخَذَ منه حقَّ الأبوة وأعطاه كاملاً للحياة..؛ كان على الأقل سيشاهد أبناءَه على بُعْدِ حياة. لم يتمنَّ الشرقيُّ أن يأتي يوما يجعلُ فيه “السيد الرئيس” الموتَ أباً لأطفاله. هُنا الشرق حينَ يموتُ طفلٌ في الخامسَةِ، نقولُ لأبيهِ “البقيَّةُ بحياتِكْ”..؛ ولا نتأكَّدُ تماماً من قدرته على عيش حُلمٍ واحد، كان من المفترض أن يتمَّهُ ولَدَهُ لو أخطأته الرصاصة!
هنا شهيدٌ صغيرٌ تذمَّرَ من ميْلِ أخيه الشهيد على جسده أثناءِ النوم. لكنَّ يده في مشهدها الأخير كانت تحتضنه وتحميه من السقوط عن السرير/ أو أيِّ شيء كانا ينامان عليه فوق الأرض التي لم تحتمل وجودهما في الحياة أكثر من تسعة أعوام!
السياسةُ ربحٌ دائم هُنا، والخسارة “مؤامرة”، وصندوق الانتخاب موسمُ عنَبٍ حامضٍ أو مُعتَّقٍ، وفي الحالتين يفوز “الناطور”؛ فهُنا الشرق.. النصفُ حريصٌ على ألا يكتمل ويبقى رابحاً، وفي النهاية دائما يكونُ الشيطان جالساً بوضعيَّة قدم فوق أخرى، و”الأبالسة” يقومون بوظائفِهِ للمعارضة التي ترضى وتغضبُ بليونة “خطيبَةٍ” تستعجلُ الزواج!
هنا الشرقُ..؛ الدمُ شاي السيد الرئيس، والخطابُ كتابُ البلاغة الوحيد، والمدرسة جدول منتظم للضرب،
والحرية امرأة لا تبلغُ الرئاسة، وحريَّتكَ، وحرية الآخرين لها نقطة نهاية واحدة، والمحبة قليلةٌ وأضعف الإيمان..؛ هنا الشرق أيضا..الحبُّ فيه قصيدةٌ ممنوعةٌ من النَّشْر، أو حكايةٌ للموعظَةِ الحسنَةِ للحفاظ على “شَرَفٍٍ” إنْ ذهَبَ سالما من الأذى مع صبيَّة الصبايا إلى خُلوَةٍ من الشِّعر، لا تستعيده سوى الجريمة!
تسألُ البنتُ أمها:” مَنْ سيحبُّني؟!”، تتلكأ في الإجابة “مَنْ لن يتزوجكِ!”. “ومن سيتزوَّجُني” تسألُ البنتُ.
وتجيبُ الأم بعد تنهيدة قصيرة:”مَنْ لنْ يحبَّكِ!”. تبدو البنتُ حائرةً كأنَّها تسأل “لماذا؟!” هنا الشرقُ يا حبيبتي..؛ تقولُ الأم التي تزوَّجَت أباها درءاً لشرِّ قصيدة لم يكتبها! 
هُنا الشرقُ يا حبيبتي..؛ لا تعطِني كفَّكِ في الشارع العام أخشى من سوء الظنِّ إنْ لم يكن في كفَّيْنا حبْسٌ من أيِّ لونٍ، ولم يكن في ذيل ثوبكِ ولدٌ وبنتٌ يؤكدان أننا نسيرُ على خطى “الرفاه والبنين”. هُنا كلامُ الشِّعر الذي سأقوله لكِ ينبغي أنْ ترضى عنهُ ثلاثُ دوائرَ حكومية، وحبُّكِ لي يجبُ أنْ يظلًّ فكراً محظوراً، وابتسامتكِ تتمُّ من وراء ستار. تعالي نبتعدُ يا حبيبتي عن هُنا، فلا شيء أبداً في الأمام. هنا الشرقُ فقط..؛ ولا جهة أخرى!

[email protected]

تعليق واحد

  1. وهنا انت
    وهنا بصمتك المميزة بالوصف الشفاف حتى لأكثر حالات وجعنا وتبطينها بخفة دم وكوميديا رائعة ونادرة …

  2. كم من الوقت؟!!
    اتسائل كم من الوقت اخذت هذه الكلمات لتخرج ! ، ربما ما كان بالقصد السؤال لوجود الجواب الواضح …
    يااه ، الوجع النابت هنا لا حدود له .

  3. رائعة جدا
    من اروع ما قرأت في حياتي … ابدعت في وصف حالي و حال الكثير من الفتيات في مجتمعنا الشرقي ¡¡

  4. تسال وتسأل
    تسأل وتسأل من جديد ووراء كل سؤال سر دفين يختزن ما كان يُجبرهما على الوفاء في الحُبِ حتى لو كان من جَديد … ودرءا لكل نوايا الإيجابية والتي قد تكون مازالت شرقية

  5. هنا الشرق
    هنا الشرق رغم الفقر ينبعث الحب….هنا رغم التقتيل من الغادرين يكون النصر….هنا بعض الغادرين يوجد الوفاء…هنا الشرق حيث ينبعث النور ..والشروق والمجد…

  6. هنا…هنا
    هنا في الشرق تولد كلمات رائعة تتغلغل في الوجدان …هنا الشرق بقسوته وحنانه …هنا الشرق بالمه وفرحه …هناالشرق …هنا الشرق …هنا الأمل الذي يولد كل يوم … هنا الأبداع .

  7. سوادنا اكثر من ذلك
    هنا الشرق ما ذكرته ايها الكاتب الرائع المختلف ليس اكثر من دمعة من دوع هذا الشرق الغارق في الحزن والتخلف والاهمال والقهر والجهل والنبذ والعنف ضد بعضنا البعض
    مقالك سواداوي لكن الواقع اشد سوادا وليل لا ينجلي ولا ينتهي .. ولا فرح في الافق

  8. شرق الموت والضغينة
    الشرق مليء بالحزن ورائحة الموت….الوجهة الموجعة هو الشرق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock