أفكار ومواقف

هنا القطرانة

إلى الجنوب من عمان، وفي منتصف الطريق الواصل بين عمان ومعان، تقع بلدة القطرانة الأردنية، التي شيد العثمانيون قلعتها منتصف القرن السادس عشر الميلادي، ونمت لتصبح مركزا للواء الذي يشمل مجموعة القرى الواقعة شرق الكرك.
القطرانة التي بدأت كاستراحة للحجاج ومركز تجاري لتزويد البدو في مناطق الجوار ببعض حاجياتهم الضرورية، أصبحت بلدة يزيد تعداد سكانها على 12000 نسمة. وتعمل على خدمة التجارة والنقل والسياحة بصورة تتجاوز بكثير ما تقوم به العديد من المدن الأردنية. إذ إن البلدة تشتمل على عدد من الاستراحات والبازارات التي يتوقف عندها المسافرون والسياح وسائقو وسائط النقل البري وعمال المنشآت الصناعية والزراعية والتعدين التي تحتل مناطق واسعة من الجوار.
في كل مرة أتجه فيها إلى الجنوب، أجد نفسي، ومن غير تخطيط، أتوقف في إحدى الاستراحات التي انتشرت على جانبي الطريق الدولي الذي يخترق البلدة التي يعتبر المرور عبر وسطها إجباريا للجميع.
قبل أيام، أعلن وزير الداخلية عن استكمال الخطوات التمهيدية، أو الإجراءات اللازمة لتطبيق اللامركزية. ومن غير أن أعرف السبب، خطرت ببالي القطرانة وأنا أقرأ الخبر. وتساءلت عن طبيعة الاستعدادات التي اتخذتها الحكومة لتهيئة منطقة مثل القطرانة للامركزية.
في القطرانة، سكان يعتاشون من الزراعة والنقل والسياحة والصناعة والتجارة، وقد جاؤوا من مختلف أرجاء البلاد. وفي كل يوم يعبر شوارع البلدة ويمر على متاجرها وبازاراتها واستراحاتها وشوارعها، عشرات آلاف الزوار والعابرين. وينضم لسكانها عمال جدد ليحلوا في مزارع الدواجن ومصانع الإسمنت وكراجات ومشاغل الصيانة والمطاعم والاستراحات التي تشغل جنبات شارع البلدة الرئيس.
القطرانة مجتمع محلي يفتقر إلى وسيلة اتصال جماهيرية تسهم في تعريف الناس بمجتمعهم وأوضاعهم وقضاياهم، وتيسر لهم التواصل والترابط، وتساعدهم على حل المشكلات التي تواجههم.
استمرار الاعتماد على البلاغات والمخاتير وإعلانات الصحف، وسائل بدائية لا تناسب المرحلة، ولا تتناسب مع طموحات الدولة ولا طبيعة الحياة وإيقاعها السريع. الانتقال بمجتمعاتنا إلى اللامركزية يحتاج وسائل اتصال جديدة تعرّف الناس بالواقع، وتنقل للسلطات والمجالس همومهم ومعاناتهم واقتراحاتهم بطرق وسرعة تتجاوز الأساليب التقليدية القائمة على الاستدعاء والتظلم.
مثل كل المجتمعات المحلية الأردنية التي أطلقنا عليها “بلديات”، ويقارب عددها الـ100 بلدية عدا أمانة العاصمة، تحتاج القطرانة إلى إذاعة مجتمعية تختص بتغطية شؤون حياتها، وتعرّف الناس بالفرص والتحديات، وتعزز ارتباطهم بالمكان والثقافة المحلية، من دون الابتعاد عما هو وطني وعالمي.
في العديد من بلدان العالم، لا تدخل بلدة إلا وتجد عند مدخلها لوحة كتب عليها اسم البلدة ومساحتها وعدد سكانها وتردد إذاعاتها المحلية. وما إن تدير قرص المذياع حتى تستمع إلى ما يفيدك عن البلدة وأوضاع الطرق، والفعاليات التي تقيمها، وإعلاناتها التجارية، وفرص العمل المتاحة، وغير ذلك مما يفيد الأهالي.
في اللامركزية، يتوقع أن يشارك الناس في إدارة شؤونهم، وصناعة القرارات التي تمثل إرادتهم، بما في ذلك اختيار أعضاء المجالس المحلية، وتحديد أولويات العمل والإنفاق. والولوج إلى اللامركزية لا يتم بتغيير ترويسة الأوراق الرسمية وبلاغ في الجريدة الرسمية، بل من خلال إعلام يوصل رسائله إلى كل الساكنين؛ مواطنين ومقيمين، وإيجاد وسائل اتصال وتواصل فاعلة تعكس هوية المكان وأهله.
دعوتي للحكومة الأردنية أن تسارع إلى تأسيس محطات إذاعة مجتمعية لكل وحدة من وحدات النظام الإداري الذي تسعى إلى تنفيذه. بغير ذلك، سيبقى التحول نحو اللامركزية تحولا اسميا، قد لا يلمس المواطن أثرا له.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock