ترجمات

هنري كيسنجر: أسطورة رجل الدولة العظيم

والتر ل. هيكسون* – (تقرير واشنطن حول شؤون الشرق الأوسط) 7/1/2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما دخل كيسنجر البيت الأبيض في عهد نيكسون، كان “مستشرقًا” معتنقاً المركزية الأوروبية، و”لم يكن يعرف أي شيء عن العالم العربي باعترافه هو نفسه”، بكلمات مارتن إنديك. ومن ناحية أخرى، كان كيسنجر صهيونيًا متفانيًا، وهو ما قاده إلى زيارة إسرائيل ست مرات قبل تعيينه التنفيذي. وقد وقف كيسنجر -مثل إنديك وسلسلة من الدبلوماسيين الأميركيين، من دينيس روس إلى وزير الخارجية أنطوني بلينكين اليوم- بشكل لا لبس فيه إلى جانب إسرائيل وضد العدالة للفلسطينيين.

  • * *
    من بين العديد من الأوهام التي تم اعتناقها على نطاق واسع حول تاريخ الشرق الأوسط والدبلوماسية الأميركية بشكل عام، أن الدكتور هنري أ. كيسنجر هو -أو كان في أي وقت من الأوقات- رجل دولة بارع.
    لكن ما كانه كيسنجر دائمًا، وما يزال الآن في سن 98 عاماً، هو أنه مروج بارع للذات. وتعكس مذكراته المنشورة التي تزيد على 3.000 صفحة -وهو رقم قياسي لا مثيل له في سجلات الدبلوماسية الأميركية- رحلة “أنا” كبيرة تليق برجل مشهور بـ”الدبلوماسية المكوكية” التي انخرط فيها.
    كان ملايين الأميركيين مأخوذين بأوراق اعتماد كيسنجر في جامعة هارفارد، واستغلاله الذكي للإعلام الإخباري ولهجته الشبيهة بلهجة “العالم القديم” التي يُفترض أنها تردد صدى حكمة العصور. وكان آخر المعجبين بكيسنجر الذين تم خداعهم بسهولة هو المدافع المتحمس عن إسرائيل، مارتن إنديك، مؤلف الكتاب الأخير المعنون “سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط” Master of the Game: Henry Kissinger and the Art of Middle East Diplomacy. وفي هذا الكتاب الضحل إلى حد مذهل، إضافة إلى ندوة عبر الإنترنت برعاية “معهد الشرق الأوسط”، أشاد إنديك بكيسنجر بسبب نهجه التدريجي “خطوة-بخطوة” بدبلوماسية الشرق الأوسط، الذي ينسب إليه الفضل في ظهور “عملية السلام” في أوسلو. وقد فقد إطار عمل أوسلو -وهو خديعة مكّنت المستوطنين من الاحتلال المستمر وغير الشرعي لفلسطين- مصداقيته تمامًا الآن، ومع ذلك يجادل إنديك بصفاقة بأن ذلك الإطار يوفر الطريق الوحيد القابل للتطبيق إلى السلام.
    ولا شيء من هذا مفاجئ، لأن إنديك، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، كان منذ فترة طويلة عضوًا يتمتع بسمعة كبيرة في اللوبي الإسرائيلي، ومشجعاً دائماً لعدوانية الدولة الصهيونية وقمعها للفلسطينيين. ولا يمكن للمرء أن يتوقع منه أقل من ذلك -فقد كان أول مدير تنفيذي لمركز الأبحاث التابع للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”.
    حتى أن إنديك يعترف بأنه عندما دخل كيسنجر البيت الأبيض في عهد نيكسون، فإنه كان “مستشرقًا” معتنقاً للمركزية الأوروبية، والذي “لم يكن يعرف أي شيء عن العالم العربي باعترافه هو نفسه”. ومن ناحية أخرى، كان كيسنجر صهيونيًا متفانيًا، وهو ما قاده إلى زيارة إسرائيل ست مرات قبل تعيينه التنفيذي. وقد وقف كيسنجر -مثل إنديك وسلسلة من الدبلوماسيين الأميركيين، من دينيس روس إلى وزير الخارجية أنطوني بلينكين اليوم- بشكل لا لبس فيه إلى جانب إسرائيل وضد العدالة للفلسطينيين.
    ينسب إنديك الفضل إلى كيسنجر في إنقاذ إسرائيل في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 ودبلوماسيته المكوكية المجيدة اللاحقة، بينما يتغاضى عن حقيقة أن كيسنجر كان قد خرّب خطة سلام وزير الخارجية وليام روجرز القائمة على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 242، في أعقاب حرب حزيران (يونيو) 1967. ومن خلال دفعه روجرز جانبًا، تولى كيسنجر الانتهازي دائمًا وظيفته في بيت نيكسون الأبيض، وفي وقت لاحق في بيت فورد الأبيض أيضاً.
    يوبخ إنديك كيسنجر على عدم متابعته لـ”حل أردني” للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكن كيسنجر لم يكن ينطوي على أي اهتمام بفلسطين، التي، كما أوضح في العام 1974، “ليست محل اهتمام أو مصلحة أميركية، لأننا لا نهتم بما إذا تمكنت إسرائيل من الاحتفاظ بالضفة الغربية وأفلتت بذلك. ولذلك، لن نضغط عليها”. وهنا نرى كيسنجر الحقيقي -المنطوي على ازدراء تام للأمم المتحدة وقراراتها، وللسعي الفلسطيني إلى السلام والعدالة وحقوق الإنسان، تمامًا كما ازدرى دائماً قضايا الشعوب الأخرى ذات البشرة الداكنة والملونة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك ملايين الآسيويين والأميركيين اللاتينيين والأفارقة.
    في العام 1975، أعرب كيسنجر عن ندمه، وإن كان في حديث خاص، موضحًا: “أنا آسف لأنني لم أؤيد جهود روجرز” للتوصل إلى اتفاق سلام. واعترف بأنه كان من الممكن التفاوض على اتفاقية دبلوماسية مع مصر، والتي “كانت ستمنع نشوب حرب العام 1973”. وبهذا يكون كيسنجر قد اعترف بأن جهله وازدراءه للموقف العربي والفلسطيني حال دون التوصل إلى اتفاق سلام وأدى إلى نشوب حرب كبرى. وكان الفشل في منع الحرب وزيادة عسكرة الصراع في الشرق الأوسط من السمات المميزة لفشل سياسة كيسنجر كرجل دولة.
    قام كل من ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد بمحاولات متفرقة للعمل كوسطاء نزيهين في الشرق الأوسط، وهي حوادث تركت كيسنجر عالقًا بين الإدارات الأميركية وإسرائيل. وعندما انتقدت إسرائيل واللوبي التابع لها كيسنجر علنًا وسط نزاع حول إعادة الإمداد العسكري لإسرائيل خلال ولاية إدارة فورد التي لم تدم طويلًا، أذل كيسنجر نفسه أمام السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة، سيمشا دينيتز، متذرعًا، “بصوت باكٍ” بأنه “يهودي قبل أن أكون أميركيًا، والآن تجعلونني كبش فداء”. وأضاف -في مثال حي على مدى التأثير الإسرائيلي على الدبلوماسية الأميركية- “لقد أطلعتكم على رسائل وبرقيات ومكالمات من الاتحاد السوفاتي ومصر” فقط ليتم انتقاده علنًا في المقابل.
    إضافة إلى دبلوماسيته الفاشلة في الشرق الأوسط، أعطى كيسنجر الضوء الأخضر الشائن لتقويض الديمقراطيات التشيلية والأرجنتينية ودول أخرى في أميركا اللاتينية؛ وشجع الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ وصادق على هجوم إندونيسي مميت على تيمور الشرقية؛ وأبدى إعجابه بهجوم الإبادة الجماعية الذي شنته باكستان على بنغلاديش. وحتى الانفراج الذي طال انتظاره ولقي الكثير من التهليل مع روسيا والصين، والذي ادعى كيسنجر لنفسه الكثير من الفضل فيه، نبع من أمل مضلل في أن تقوم القوى العظمى بإجبار الفيتناميين الشماليين على منح الولايات المتحدة “سلامًا مشرفاً” وسط الفشل الهائل للتدخل في الهند الصينية. وقد أطال نيكسون وكيسنجر حرب فيتنام لمدة أربع سنوات، ولم يحققا شيئًا سوى التسبب بقدر أوسع من الموت والدمار في هذه العملية.
    عند وفاته، سيحظى كيسنجر بالثناء بلا شك، وسيتم الاحتفال بإنجازاته الأسطورية في الخارج لأيام متتالية. ولكن، تحت قشرة الحنكة السياسية، يكشف السجل التاريخي الفعلي عن كيسنجر الحقيقي: دبلوماسي معيب بشدة، انطوى على ازدراء مطلق للعدالة وحقوق الإنسان والسلام. (حتى إنديك اعترف بأن كيسنجر لديه “وجهة نظر مستهترة إلى حد ما تجاه السلام”، ولكن كذلك يفعل إنديك نفسه، ولهذا لم تكن هذه مشكلة كبيرة بالنسبة له).
    وإذن، يا هنري، عندما يحين الوقت، أتمنى أن ترقد بسلام -على الرغم من عدم الاعتبار المطلق الذي أظهرته للسلام طوال حياتك.

*Walter L. Hixson: محرر مساهم يكتب بانتظام عمود “ظلال التاريخ” لـ”تقرير واشنطن عن الشرق الأوسط”، الذي يسعى إلى وضع الجوانب المختلفة لسياسة ودبلوماسية الشرق الأوسط في منظور تاريخي. هيكسون هو مؤلف كتاب “مهندسو القمع: كيف تضع إسرائيل ولوبيها العنصرية والعنف والظلم في مركز سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”؛ و”درع إسرائيل: اللوبي الإسرائيلي والجيل الأول من الصراع الفلسطيني”، إلى جانب العديد من الكتب والمقالات الصحفية الأخرى. يعمل أستاذاً للتاريخ منذ 36 عاماً، وحاصل على رتبة الأستاذ المتميز.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Dr. Henry Kissinger: The Myth of the Great Statesman

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock