سلامة الدرعاوي

من يصدق أن اقتصادا مثل الاقتصاد الأردنيّ بحجمه الصغير مقارنة بالجوار وبناتج إجمالي لا يتجاوز الـ33 مليار دينار، بات التهريب يستحوذ على جزء كبير من إيرادات الدولة المختلفة، وبحجم كان يقترب من مليار دينار سنويّاً قبل العام 2014، لينخفض هذا الرقم وفق تقديرات بعض خبراء إلى ما بين (300-400) مليون دينار سنويّاً.
هذا الانخفاض جاء لسبب رئيس وهو الدخان الذي تم توحيد جماركه وضرائبه ما بين العقبة وباقي أنحاء المملكة بعد العام 2017.
عمليات التهريب في الأردن باتت تتنوع بين التهريب المنظم وغير المنظم، والمقصود بالتهريب المنظم هو ذلك التهريب الذي يدخل ضمن حسابات وتدقيق الاجهزة الرسميّة المختلفة من جمارك ومواصفات وغذاء وغيرها من الهيئات التي تشرف على عملية إدخال البضائع المستوردة للمملكة.
التهريب المنظم لا يمكن ان يحدث إلا من خلال عمليات تواطؤ واضحة بين أطراف عدة أهمها المهربين أنفسهم مع مسؤلين في الدوائر الرسميّة ذات العلاقة، وهنا يتم تزوير بيانات الإدخال وتغيير شهادات المنشأ ونوعية البضائع وغيرها من معلومات تسمح في النهاية بمرور الحاويات إلى الأسواق المحليّة.
هذا النوع من التهريب يشكّل اكثر من 74 % من إجمالي عمليات التهريب في المملكة، وهو كما قلنا يدخل عبر المعابر الحدودية للدولة بتواطؤ أطراف عدة من الداخل والخارج، معتمدين على رشاو تدفع لتمرير هذه المهربات.
للأسف التواطؤ لا يقتصر على تفاهمات سرية مع موظفي رسميين في دوائر مختلفة، بل وراؤهم قوى نافذة لها صوت عال بين أجهزة الدولة ولدى المسؤولين كذلك، وباتت اسماؤهم معروفة لدى الجهات المعنية الذين يتحدثون صراحة عنهم وعن دورهم العملي في بعض عمليات التهريب العلني التي تمت في السنوات الأخيرة والتي شملت مع كُلّ أسف كُلّ أنواع السلع من سجائر وأجهزة كهربائية وملابس وأدوية وعطور واكسسوارات وغيرها من عشرات السلع التي يجري تهريبها يوميا عبر المعابر الحدودية والتي كثيراً من جوانبها تأتي بواسطة ما يسمى ببطاقة المستورد التي قد تسجل لصالح شخص متوفّ او خارج البلد مع كُلّ أسف.
هذه القوى التي باتت أشبه بالهوامير الكبيرة التي تحيط نفسها بعصابات لحمايتها من الدولة وتستخدمها للاستقواء على الدولة كذلك يحتلون مناصب كبيرة يوظفونها لتمرير عملياتهم غير المشروعة، وهم على مختلف المستويات من نواب ورجال أعمال ومسؤولين في مناصب قيادية في القطاع الخاص ناهيك عن موظفين بمستويات مختلفة في أجهزة الدولة المعنية.
أما التهريب غير المنظم والذي يكون بواسطة سيارات دفع رباعي تجوب بين الوديان والصحاري ويستخدمها المهربون الذي يقطنون بالقرب من الاماكن الحدودية فهذا النوع لا يشكّل سوى 26 % من إجمالي التهريب، وهو بات اليوم يقبع تحت إطار ضيق بفعل المراقبة والمتابعة الحثيثة من القوات المسلحة والدرك اللذين يتعاونان مع أجهزة الجمارك في عمليات ضبطهم اليومي.
مكافحة عمليات التهريب بكافة أنواعها يتطلب من الحكومة منهجا جديداً بعد ان تفاقمت هذه الظاهرة التي باتت تؤذي الاقتصاد والخزينة والقطاع الخاص معا، وهذا يكون من خلال إجراءات سريعة عالية المستوى لبتر هذه الآفة.
اجراءات مكافحة التهريب تتطلب أولآ معالجة تشريعية بالأساس واعتبار التهريب جريمة اقتصادية، مع تغليظ العقوبات، وانهاء حالة المرونة المتبعة مع المهربين من جميع الأطراف واقتصارها على اجراءات إدارية وماليّة عقيمة لا تحد أبدا من التهريب.
تطوير عمليات الأتمتة الإلكترونية لكافة المعاملات الجمركية على المعابر، وتقليل قدر الإمكان من تدخل العنصر البشري الذي ثبت في كثير من الأحيان بأنه عنصر فاعل في التهريب، وهذا ما اثبتته تداعيات الحظر الشامل الذي فرض العام الماضي بسبب كورونا وإغلاق المعابر، حينها تراجعت عمليات التهريب وانتعشت بعض الشركات المحلية التي تضاعفت مبيعاتها مثل شركات الدخان على سبيل المثال لا الحصر، الأمر الذي انعكس إيجابا على الخزينة والتي ارتفعت وارداتها من الدخان العام الماضي بأكثر من 350 مليون دينار.
توحيد الرسوم الجمركيّة ووضعها في مستويات منخفضة ومحددة، مع الأخذ بعين الاعتبار حماية الصناعة الوطنيّة من اي سلعة لها نظير منتج محلياً، وتقديم كافة أشكال الدعم والتحفيز لهذا القطاع حتى يقوى على وجوده ويعزز من تنافسيته في الأسواق مع حزمة مراجعة شاملة لاتفاقيات التجارة الحرة الموقعة بين الأردن وعدد من الدول والتي أضرت بالصناعات الوطنيّة نتيجة غياب العزلة في التطبيق، وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل وتخفيض كلف الانتاج على القطاع الصناعيّ.
مكافحة التهريب يتطلب جهدا كبيرا كالحكومة ومؤسساتها خاصة في مجال تطوير الجهاز الإداري وبسط القانون وتغليظ العقوبات على كُلّ من تسول له نفسه العبث بالأمن الاقتصاديّ للدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock