من المتفهم أن يكون الناس مهتمين بظهورهم عبر وسائل الإعلام، بعد أن كرس الواقع الإعلامي إن صحت تسميته مفهوما جديدا، لدوره في حياة البشر والتأثير والتأثر بها. ومن الشجاعة أن نعترف بأن الوسيلة الإعلامية وأدواتها صارت عالما شاسعا متاحا متلونا مفتوحا على الاحتمالات كلها الحاضرة والقادمة وغير المتوقعة.
لكن ما يلفت الانتباه هو “اللوثة الإعلامية” التي أصابت المسؤولين في الوظائف الرسمية، والنواب ورجال الأعمال والصناعة وأصحاب المهن والحرف المختلفة، بحيث أضحى كثير منهم في مرمى المنافسة في الظهور والتظاهر بمناسبة وغير مناسبة! بل إن موضوع المناسبة هذا أصبح شرطا سهل المنال مادام قرار وجودها بيد هؤلاء المهووسين بعالم الميديا كما يحلو لهم أن يطلقوا عليه، على سبيل التجديد.
وهنا لا أقصد صورهم وفيديوهاتهم ومنشوراتهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي وحسب. بل إن تعلقهم بحب الظهور على حساب المنطق والاعتدال ورجع الصدى المتوقع، أوصلهم إلى مرحلة يعتقدون فيها أنهم الإعلام والإعلام هم!
هؤلاء تحديدا، الذين ينزعجون ويزيدون غضبا من تعليقات الجمهور، الذي ينتظر منهم أعمالا لا إعلاما، لو تجرأ أي شخص من خارج نطاق ودوائر تخصصاتهم، المهنية والوظيفية والحرفية، خصوصا لو كان التدخل من قبل إعلامي حقيقي من فئة الكتاب والصحفيين والمذيعين والمصورين وغيرهم، يتشيطون غضبا وسخطا وسخرية، بل ويمكن أن يتعدى الأمر إلى القضايا والمحاكم، بتهمة التدخل في مسائل دقيقة ومتخصصة عليها أن تترك لأصحابها “هم”.
من الجيد أن يجد بعض المختصين من الأطباء والمهندسين والصناعيين وأصحاب الحرف منابر إعلامية تدار من قبل إعلاميين وصحفيين، يتحملون هم مسؤولية المحتوى وشكله، ليشاركوا الآخرين تجاربهم ونصائحهم المتخصصة. ومن المقبول أن يصنع بعضهم ممن لديه القبول والحجة وطريقة التواصل الجماهيري الناجحة محطات إعلانية وإعلامية خفيفة، للأسباب نفسها. لكن أن ينبري هؤلاء وخصوصا المسؤولين ورجال الأعمال والصناعة “عمال على بطال” ليدلوا بدلائهم السياسية والاجتماعية والفنية ويملؤوا الصفحات ويزاحموا المشاهدات، نكاية في الإعلام والإعلاميين والتحليل والمحللين، فهذا أمر مستغرب ويدعو للدهشة!
أصبح الولع بالظهور الإعلامي من قبل المسؤولين فعليا على حساب المنجز الوطني والدور الوظيفي المناط بهم. كما هو حاصل مع نواب الشعب ورجال الأعمال في القطاعات الاقتصادية والصناعية المختلفة، الذين يتبارون حرفيا على التباهي بمنجزات ووعود وطموحات، كثير منها على الورق، ولكنها صالحة للدعاية الإعلامية المجانية لأسمائهم، بدل الإفصاح عن تشاركيتهم وأدوارهم المنتظرة من قبل مؤسساتهم بالأرقام الواقعية والإحصائيات الحقيقية، الأمر الذي يمكن أن يمنح انطباعا أن المنجز عظيم والتحديات يتم تجاوزها، ما يصنع سرابا من الآمال يتعلق به البسطاء كما يتعلقون بمن يرشونها كالسكر الناعم فوق حلوى ناشفة.
هذا الأمر لا يمنع من الاعتراف بوجود وجوه وأرواح وعقول تعمل ليل نهار، في الظل بدون بروبوجاندا ثقيلة الظل. بل إن كثيرا منهم يأتون ويذهبون بدون أن يسمع عنهم أحد، أو تشاهد لهم صورة واحدة حتى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock