ترجمات

هونغ كونغ ومستقبل الحرية

بريت ستيفنز – (نيويورك تايمز) 13/6/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تخيل لو أن إدارة ترامب اقترحت في العام 2018 تشريعاً يسمح للحكومة، تحت أي ذريعة تقريباً، باحتجاز ومحاكمة وسجن الأميركيين المتهمين بارتكاب مخالفات في مواقع سوداء سرية موزعة في جميع أنحاء البلاد.
وتخيل، أيضاً، أن 43 مليون أميركي نهضوا للاحتجاج، فقط ليقابلهم الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، بينما يقوم ميتش ماكونيل وبول ريان بدفع مشروع القانون ليمر سريعاً من خلال كونغرس منقاد لين العريكة. وأخيراً، تخيل عدم وجود قضاء فعال ومستعد لإيقاف مشروع القانون والحفاظ على الدستور.
هذا، تقريباً، هو ما حدث في هونغ كونغ في الأيام الأخيرة.
هناك، خرج ما يقدر بمليون شخص -واحد تقريبا من كل سبعة من سكان المدينة- إلى الشوارع للاحتجاج على التشريعات التي تسمح للمسؤولين المحليين بالقبض على أي شخص متهم بارتكاب واحد من 37 نوعا من الجريمة، وتسليمه للسلطات في بر الصين الرئيسي. ومع أن التشريعات تستبعد الجرائم السياسية، من الناحية النظرية، من القائمة، فلا ينبغي أن ينخدع أحد: فاختلاق اتهامات جنائية ضد المعارضين السياسيين هو مجرد لعبة أطفال بالنسبة لبكين، التي يمكن أن تجعل ضحاياها يختفون إلى أجل غير مسمى بعد ذلك حتى يتم إجبارهم على الركوع.
في العام 2015، قامت سلطات البر الرئيسي (الصين) باختطاف خمسة بائعي كتب في هونغ كونغ معروفين ببيعهم عناوين حساسة سياسياً، ووضعتهم في الحبس الانفرادي لعدة أشهر إلى أن اعترفوا بارتكاب جرائم مختلفة. وفي العام 2017، اختطفت السلطات الصينية الملياردير الصيني شياو جيان هوا من فندق “فورسيزونز” في هونغ كونغ. ولم يره أحد في العلن منذ ذلك الحين، بينما يتم تجريد شركته من ممتلكاتها.
وسوف يكون مشروع قانون تسليم المجرمين هو التطور القادم في هذا الاتجاه القمعي. وقد لا يكون الأخير.
يفترض أن تكون علاقة هونغ كونغ بالبر الرئيسي محكومة بمبدأ “دولة واحدة ونظامان”. لكنه مبدأ يشكل، كما هو الحال مع أي شكل من أشكال التعددية، أخطاراً متأصلة على بكين. كانت برلين الغربية الصغيرة هي التي ساعدت -فقط لمجرد كونها حرة- على إسقاط نظام هونيكر العظيم (كما بدا في ذلك الوقت) في ألمانيا الشرقية في العام 1989. ولا يبدو أن الزعيم الصيني الأعلى، شي جين بينغ، على وشك السماح بحدوث ذلك له من خلال هونغ كونغ.
ثم مرة أخرى، ربما لا ينبغي أن يكون قلقاً إلى هذا الحد. فطوال فترة الثمانينيات كان العالم الحر متحداً سياسياً وواثقاً أخلاقياً: كان يؤمن بقيَمه الليبرالية الديمقراطية وعالميتها، وبلا أخلاقية أولئك الذين سعوا إلى القضاء عليها أو إنكارها.
كما أن ذلك العالم لم يكن يحجم عن المجاهرة بالنقد ورفع الصوت ضد المستبدبن. وعندما وصف رونالد ريغان الاتحاد السوفياتي بأنه “محور الشر في العالم الحديث”، ندد به أحد الكتاب الليبراليين البارزين ووصفه بأنه “بدائي”، لكن مثل ذلك الخطاب هو الذي منح الشجاعة للمعارضين والحالمين على الجانب الآخر من الجدار. والشيء البدائي حقا هو يرى المرء الآخرين يُضطهدون ويظل صامتا، سواء كان ذلك بسبب نقص التعاطف أو نتيجة الإفراط في التعقيد.
قارن العالم الحر في ذلك الحين بما هو عليه العالَم اليوم. كانت عبارة “أنا متأكد من أنهم سيتمكنون من تدبر أمورهم”، هي كل ما استطاع دونالد ترامب أن يحمل نفسه على قوله عن احتجاجات هونغ كونغ خلال مؤتمر صحفي عقده يوم الأربعاء مع الرئيس البولندي، أندريه دودا. وبينما تأفل لحظات الوضوح في القيادة الأخلاقية الأميركية، لم يكن موقف “أنا برليني كذلك.
ترامب ودودا هما اثنان من أبرز أبطال القومية الشعبوية الجديدة، التي تؤمن بالخروج من شؤون الآخرين على أمل أن يخرجوا هم من شؤونك. وقد طبق ترامب هذا المبدأ على نطاق واسع، من معاملة الدول التي تغتال صحفييها إلى معاملة كوريا الشمالية للجميع. إنها النسخة اليمينية للنسبية الثقافية لليسار، والتي تتساءل دائماً: “من نكون نحن لكي نحكم”؟
لماذا ليس لدى ترامب شيء تقريباً ليقوله عن سرقة الحقوق في هونغ كونغ؟ لأن ذلك، بالقدر الذي يخصه، هو شأن صيني داخلي. ولماذا يبدو أنه غير مبال بحقيقة أن سلوك بكين ينتهك الإعلان الصيني-البريطاني المشترك للعام 1984؟ لأن ذلك يخص أحداً آخر، أيضاً، والذي يتعلق بمعاهدة وقعها منذ وقت طويل أشخاص أصبحوا الآن ميتين.
كل هذا يعني أن بإمكان شي جين بينغ التخلص من متظاهري هونغ كونغ كما يحلو له بلا خوف من العواقب الخارجية. في عهد ترامب، قد يكون العم سام سعيداً بالتهديد بفرض الرسوم الجمركية في يوم، ثم الوعد بعقد صفقة في اليوم التالي، لكنه لم يعد يرفع قبضته دفاعاً عن قيم تمثال الحرية.
هذا لا يعني أنه ينبغي على أهالي هونغ كونغ التخلي عن الأمل. فكما أشار وليام ماكغرن في عمود ذكي نشره في صحيفة “وول ستريت جورنال”، حوَّل مشروع قانون تسليم المجرمين أهالي هونغ كونغ الملتزمين بالقانون إلى مليون منشق صيني جديد. وقد تكون الديمقراطيات في كثير من الأحيان سيئة القيادة، لكن لديها الهبة الخلاصية المتمثلة في جعل الاستياء يعمل لصالح النظام، وليس ضده. ولا تمتلك الأنظمة الاستبدادية هذا الخيار. فعدم المرونة الذي يجعلها مرهوبة الجانب يجعلها هشة أيضاً.
يستمر العالم في اختبار ركود ديمقراطي لا يني يزداد سوءاً بسبب الجهل الشديد الذي يعاني منه رئيس أميركي. لكن هذا لن يدوم إلى الأبد. والسلطوية الفعالة التي من المفترض أن تكون السر في الصعود العالمي للصين تتكشف الآن لتظهر بما هي عليه –دولة يشكل ضمير أولئك الذين يتظاهرون في شوارغ هونغ كونغ أكبر مكامن قلقها.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Hong Kong and the Future of Freedom

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock