أفكار ومواقف

هيئة المرئي والمسموع بين عهدين

 


مر خبر موافقة مجلس الوزراء على استقالة مدير عام هيئة المرئي والمسموع حسين بني هاني على وسائل الإعلام وبخاصة الإذاعات مرور الكرام، وتناولت الصحف الخبر باقتضاب يفيد أيضا بتعيين الدكتور امجد القاضي مديرا عاما للهيئة.


المرء قد يتفق او يختلف مع مسؤول كحسين بني هاني فالخلاف لا يفسد للود قضية، فمن تعامل مع بني هاني لا يستطيع إلا ان يعترف بإخلاصه للوطن وأمانته في عمله وصعوبة العمل الذي قام به في فترة قصيرة نسبياً. 


يسجل لمؤسس ومدير عام هيئة المرئي والمسموع دوره في إخراج هذه المؤسسة إلى حيز الوجود. والولوج في خضم إحدى أصعب المهمات وهي إدخال الإعلام التلفزيوني والإذاعي الخاص الى البلد والمنطقة التي طالما اعتادت فيها الحكومات على احتكار الإعلام الجماهيري.


لقد كان لخروج هيئة المرئي والمسموع لحيز الوجود الفضل في ترخيص عشرات الإذاعات المحلية ومحطات التلفزة الفضائية المستقلة في الأردن. ويوفر قانون المرئي والمسموع المؤقت، والذي كان للسيد بني هاني الدور الرئيس في انجازه، إمكانية البث الحي والمباشر لشركات أردنية وأجنبية من دون الخضوع لأي رقابة مسبقة. 


وتعد هذه النقطة سابقة مهمة في منطقتنا العربية. كما ويسجل للسيد بني هاني جرأته وإصراره على منح الاستثمار الأجنبي الحق في إقامة إعلام الكتروني في الأردن، والذي يعد أيضا سابقة لكل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


 


أريد، هنا، ان أتحدث عن تجربتي مع الهيئة في عهد مديرها بني هاني، بصفتي املك إحدى الإذاعات الخاصة الأردنية وهي راديو “البلد”. فعندما التقيت لأول مرة بالسيد بني هاني شجعني على التقدم بترخيص لإذاعة مجتمعية في عمان مؤكدا انه لن تكون هناك عقبة في ذلك ما دامت الشروط التقنية متوفرة. وفعلا حصل ذلك.


وعندما واجهتنا مشكلة بعد بث مؤتمرات الوزير مروان المعشر الصحافية نصحنا بالتقدم لطلب إضافة عنصر الأخبار والسياسة لترخيصنا مؤكدا عدم وجود أي سبب لرفض طلبنا وحصل كما قال. ومنذ ذلك الوقت ونقوم في راديو البلد (عمان نت سابقا) ببث النشرات الإخبارية ومناقشة القضايا السياسية، وفقاً للترخيص الممنوح لمدة عشر سنوات. وهنا لا ننكر تشجيع بني هاني لنا في كل ما وصلنا إليه.


خلال الفترة التي تعاملنا فيها مع هيئة المرئي والمسموع لم نلقَ سوى العمل الحضاري المهني من مدير عام وفريق الهيئة بالرغم من اختلاف وجهات النظر في بعض القضايا والمواضيع، وبالرغم من وصول الخلافات للمحاكم إلا ان التعامل استمر حضاريا ومهنيا مما يسجل لهذا الرجل.


أطرح، هنا، مثالاً حول الخلاف الذي دار بيننا وبين الهيئة حيث كنا وما نزال نعتبر ان إضافة رسوم بمقدار 50% للمحطات الحاصلة على ترخيص للبرامج الإخبارية والسياسية أمر غير منطقي ويضع العراقيل أمام حرية التعبير والتطور السياسي. وكان موقفنا وما يزال أن نظام التراخيص على شاكلته الحالية يشجع الإذاعات على امتهان “الترفيه” ويبعث في ذات الوقت على الإحباط للإذاعات التي ترغب بالعمل الإخباري والخدمي المكلف أصلاً مثل إعداد نشرات إخبارية وإجراء حوارات سياسية. وكان ذلك واضحا حينما غيرت بعض الإذاعات رسالتها من البرامج الجادة والمفيدة وبث الأخبار إلى الترفيه لأنه اقل كلفة، بل كان موقفنا وما يزال أن الدولة يجب أن تقدم دعما للمحطات التي ترغب بالعمل العام وترفع تكلفة التراخيص للإذاعات الترفيهية، والتي تحصل على دخل إعلاني مرتفع.


 


كما كان لنا رؤية تنموية تطالب بتشجيع الإعلام المجتمعي المستقل والمملوك من مؤسسات المجتمع المدني إلا أن رأينا تم تطبيقه فقط على مؤسسات تنموية حكومية وشبه حكومية، ولم يتم توسيعه ليشمل مؤسسات المجتمع المدني المستقلة.


هذا الاختلاف كان اختلافا في الرؤى عبرنا عنه في جو حضاري وتم الاستماع له والتعامل معه أيضا في جو حضاري نأمل أن يستمر مع الإدارة الجديدة.


كما ونأمل في هذا المضمار من ممثلي الشعب التعامل مع التشريعات الإعلامية بطريقة منفتحة ومتطورة. فهناك تشوهات بنيوية في القانون المؤقت التي يجب معالجتها في أي تطور تشريعي.


لا حاجة لوضع قرار تراخيص الإذاعات بيد المجلس الوزاري. ففي عصر الشفافية وفي ظل توجيهات جلالة الملك الداعية للانفتاح لا حاجة للبند الذي يعطي لمجلس الوزراء حق رفض أي طلب مكتمل الشروط الفنية من دون إبداء السبب.


الإعلام صناعة منافسة ووجود تعقيدات إدارية ومواد تتعارض مع مبدأ الشفافية في قرارات الترخيص يؤثر سلبا على صناعة الإعلام ويعطي مؤشراً سلبيا للغاية عن تقدم الأردن ديمقراطيا.


التشريعات الإعلامية الأردنية ما تزال بحاجة الى الكثير من العمل النوعي يشارك في بلورته اصحاب المحطات الإذاعية والعاملون فيها والجمهور الواسع.


ما نأمله من المدير الجديد د. امجد القاضي، والذي عرفناه منذ كان أمينا عاما للمجلس الأعلى للإعلام أن يناضل مع محطات الإذاعة والتلفزة الخاصة لتطوير التشريعات التي تنظم هذا القطاع والتي تسمح باستدامة هذه المؤسسات وان يتم مساعدة المحطات التي تسهم في تنمية المجتمع المحلي.


سبق أن قدمت شبكة “الإعلام المجتمعي” مقترح قانون للإعلام المرئي والمسموع وبذلت فيه جهدا كبيرا من خلال التشاور والتفاهم مع عدد من الخبراء المحللين واصحاب المحطات المحلية. وأملنا ان يلقى هذا المقترح اهتماما من الهيئة كمساهمة في تحسين واقع الاستثمار في الإعلام المرئي والمسموع دافعا باتجاه تطوير أداء المحطات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة في الأردن.


لقد ترك حسين بني هاني إرثا حضاريا مهما وسجل في تاريخ الإعلام الاردني المعاصر عملا جريئا. فنحييه على جهده وكل التمنيات للمدير الجديد، أمجد القاضي، بالنجاح في المهمة الجديدة نحو بيئة إعلامية أردنية مسؤولة ومنفتحة وشريكة في تحقيق توجيهات جلالة الملك بجعل سقف  حرية الإعلام الاردني السماء.


* مدير عام راديو البلد وموقع عمان نت

تعليق واحد

  1. تحية للاستاذ داود كتاب
    اول مرة بشوف حدا بحيي مسؤؤل تارك الموقع ورغم الاختلاف معه. هذا الموقف يستحق الثناء

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock