أفكار ومواقف

هيبة الدولة

الهيبة في القاموس تعني: الحذر أو الخوف، أو الإجلال والتعظيم. ويقيني أن كثيراً من الداعين إلى الأخذ بهيبة الدولة، أو الذين يبكون على هيبتها الضائعة، يعنون بها الأمر الأول، فيحذر المواطنون الدولة (ويعني معظمهم بها الحكومة) ويخافون منها، وإن لم يجلّوها ويعظموها، لأن الجمع بين النقيضين صعب أو مستحيل؛ إذ إن المواطن إما أن يحذر الحكومة ويخاف من سطوتها وشدّة بأسها ومن استعدادها لانتهاك حقوقه عندما يلزم لتبقى، أو يجلّها ويعظمها لأنها تحترم القانون وحقوق المواطن وتقدّسها وتحميها فتبقى.
ومن هنا يمكن التفريق بين الأبوية أو الدكتاتورية والشمولية من جهة، وبين الديمقراطية من جهة أخرى. ففي النظام الأبوي أو الدكتاتوري أو الشمولي، يبدو المواطن حذراً وخائفاً، وتبدو الحكومة مهيبة بهذا المعنى، فلا ينبس أحد ببنت شفة، لأن الكلمة محسوبة أو مسجلة عليه بالعيون والآذان البيولوجية والإلكترونية، المندسة أو المنبثة في كل مكان وزمان. ولذلك ترى الناس من “هيبة؟” الحكومة وكأنهم يسيرون على بيض أو على رؤوس أصابع أقدامهم من شدّة الحذر والخوف.
أما في النظام الديمقراطي، فإن الأمر بالعكس؛ فلا يحذر المواطن الحكومة ولا يخاف منها، بل يجلّها ويعظمها لأنها تحترم القانون وتحترم حقوق المواطن، بما في ذلك حقه في حرية التعبير والنقد إلى درجة “مرمطة” المسؤول العام الذي جعل من نفسه منطقة حرّة أو مرمى أو هدفاً وقد تقدم لحمل المسؤولية العامة. يقول أحد المفكرين: “إنني أحب بلدي أكثر من أي مكان في العالم، وإني لهذا السبب ولهذا السبب فقط احتفظ بحقي بنقده باستمرار”.
وبالإجمال، يمكن القول إن المواطن لا يرى الدولة ولا يحسّ بهيبتها بمعنى الحذر والخوف منها، في النظام الديمقراطي، بل يرى القانون والقضاء العادل وحرية التعبير، فيجلّ الدولة والحكومة ويعظمهما لأنه لا أحد هناك فوق القانون، ولا يظلم القانون أحدا. ولكن المواطن لا يرى القانون والدولة والحريّة في النظام الدكتاتوري أو الشمولي، بل يرى الدكتاتورية وأجندتها القمعية، فيخاف من الحكومة ويحذرها لأنها فوق القانون، ولكنه في قرارة نفسه لا يجلها ولا يعظمها، لأن القانون لا يحميه من تعسفها الذي يعتدي عليه في بيته أو في الشارع أو في المكتب أو في الوظيفة الرسمية. وبالوصول إلى هذا الدرك، تصبح الدولة الأبوية أو الدكتاتورية أو الشمولية القمعية التي تبدو للناس منيعة، متآكلة وعلى شفا الانهيار الذي يمكن أن يحدث أو يقع  بمجرد “دفشة” أو نزع حجر سنمّار صغير من أساس القلعة الأبوية أو الدكتاتورية الشمولية.
الخلاصة: تحصل الحكومة، وبالتالي الدولة، على الهيبة بمقدار عدالة القانون والقضاء واحترام حقوق المواطن. وتعني الهيبة عندئذٍ الإجلال والتعظيم، واستعداد المواطن لبذل دمه رخيصاً للدفاع عن دولته عندما تتعرّض للخطر والعدوان، ولا تحصل عليه بالعكس.
***
أناطولي فرانس (1844-1924): “ما بقي مجتمع مؤسس على اللا-عدل/ الظلم. فإن وظيفة القوانين فيه هي الدفاع عن اللا-عدل/ الظلم، وكلما كانت أكثر لا عدلا/ ظلما كانت أقل احتراما”.
***
سئل خالد بن صفوان (من وجهاء العصر الأموي): أي الأصدقاء أحب إليك؟ فقال: “الذي يغفر لي زللي، ويقبل عِللي، ويسدّ خَللي”.

تعليق واحد

  1. المعضلة الرئيسيه
    مقال في غاية الاهمية ذلك انه يسلط الضوء على المعضله الرئيسيه لدى الدول الشمولية الديكتاتورية فهي دول تعيش في حاله من التخلف الشديد بسبب ديكتاتوريتها ، والتي تؤدي الى غياب انتماء الشعب للوطن وحلول الخوف والحذر من النظام القائم بديلا عن الاحترام .
    ، ذلك ان صمت الشعوب في هذه الدول ليس نابعا من قبولهم لواقعهم هذا الصمت سببه القمع الشديد .. انظمه تستمد بقائها واستمراها من اعتمدها على سياسة الترهيب وليس سياسة الاقناع والعداله ، وهذا يودي الى نتائج كارثيه على الوطن ، يتمثل في انخفاض الانتاج الى حدوده الدنيا وانتشار كل اشكال الفساد دون حسيب او رقيب ، واختفاء اي شكل من اشكال الابداع ، مما يؤدي الى الجمود والمزيد من التخلف ، المواطن في هذه الدول حيث هو فاقد لكل حقوقه المعنويه والماديه ، يقل انتاجه الى الحد ادنى فلا يوجد لديه اي حافز لزيادة انتاجه وهذا ما ينطبق على كل دول العالم الثالث بشكل عام والدول العربيه بشكل خاص حيث تعاني من كل اشكال التخلف والسبب هو غياب الديمقراطيه ، فكل الدول التي يسودها النظام الديمقراطي الحقيقي استطاعت تحقيق اعلى درجات التقدم في كل المجالات والمثال على ذلك كل الدول الغربيه واليابان وحتى بعض الدول الآسيويه ، لان المواطن فيها يحصل على كافة حقوقه المادية والمعنوية ، ولديه انتماء واحترام حقيقي ل دولته ولنظامها السياسي ، ويمارس نقد الحكومة انطلاقا من حبه لوطنه ، وحرصه عليه ..ان حرية الفكر وحق التعبيرعن الراي هو حق مقدس ومشروع ، وليس منة من الانظمه السياسيه ، وهو لا يقتصر على حرية التعبير عن الرأي وحرية الاعتقاد بل هو نهج حياة يؤدي الى تطوير كافة مناحي الحياه ،، وجزيل شكري لكاتب المقال الاستاذ حسني عايش

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock