أفكار ومواقف

هيلاري وشروط النجاح

برغم كل الاعتراضات حول أهليته، استطاع دونالد ترامب انتزاع ترشيح الحزب الجمهوري له كمرشح للرئاسة الأميركية. وأن يتمكنَ ترامب من تجاوز عقباتٍ مثل كونه شعبوياً ومنفلت اللسان، وأنه يعتبر الخطاب بدبلوماسية علامة ضعف، ولا يدرك تعقيدات العملية السياسية داخل أميركا وخارجها… فإن هذا يعكس في هذه المرحلة الأثر الكبير الذي أحدثته ظاهرة ترامب في بنية الحزب الجمهوري وفي قواعده الشعبية، وحتى لدى قياداته المختلفة.
ويتبدى تأثير ظاهرة ترامب في جوانب وسياقات عديدة؛ حيث لم تُفلح، حتى الآن، مقاطعة قيادات بارزة من الجمهوريين مثل عائلة بوش وجون ماكين وميت رومني، ولم تفلح أيضاً المظاهرات المناوئة له، في الحيلولة دون ترشيح حزبه له. بل تُظهر استطلاعات الرأي أنه قد حسّن من موقعه الانتخابي. ومع أنّ انتقادات السيناتور الجمهوري تيد كروز (45 عاماً) اللاذعة لترامب ودعوته الجمهوريين لأنْ يُحكّموا ضمائرهم في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، تُعطي صورة عن الانقسام الحاد الذي يعيشه الجمهوريون بين محافظين وشعبويين، وبين جيل قديم وجيل الشباب، فإنّ ترامب (70 عاماً) يتبنى استراتيجية مفادها بأنّ خيرَ ما يُواجِهُ به الجمهوريون انقسامَهم هو توجيه “طاقةِ خُصومتهم” باتجاه منافستهم الديمقراطية هيلاري كلينتون؛ أملاً في جلب أصوات المترددين من الجمهوريين، وتخفيف حملات المنتقدين له.
ترامب يركّز على ثلاثة أمور في حملته على كلينتون: الأول، ما يعتبره فساداً وعدم شفافية ظهرت في إخفائها نحو 30 ألف رسالة من بريدها الإلكتروني، حين كانت وزيرة للخارجية وقت الهجوم على السفارة الأميركية في بنغازي. والثاني، أنها -برأي ترامب- “ألعوبة قطاع الأعمال الكبرى ووسائل إعلام النخبة وكبار المانحين الذين يريدون الحفاظ على النظام السياسي الحالي، ممن يرون وهي معهم أنّ الأمور لن تتغير، أمّا “رسالتي فهي أنّ الأمور يجب أن تتغير ويجب أنْ تتغير الآن”. أما الجانب الثالث، فهو زعمه أنّ رصيد حقبة هيلاري وأوباما والديمقراطيين هو “الموت والإرهاب والدمار”، وأنه سيتخلى عن سياسة “بناء الأمم وتغيير الأنظمة” التي “انتهجتها هيلاري في العراق وسورية وليبيا ومصر”، على حد تعبيره. وهذا الخطاب الترامبي يتناغم مع شعار أساسي في حملته الانتخابية، وهو أنه يضع أميركا أولاً قبل أي دولة “على عكس الآخرين”. ترامب ينسج خصوصيته وتأثيره من ادعائه أنه “صوت المهمشين” أو “صوت الذين لا صوت لهم”، كما يقول؛ ما يعني أنّ التأثير الذي أحدثه في النقاش السياسي الأميركي لا يتأتى فقط من كونه مرشحاً من خارج “المؤسسة” أو “لعبة لوبيات الضغط”، وإنما في محاولته مخاطبة شرائح أميركية مُهمشّة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وسعيه لإقناعها بأنّه يخوض “المعترك السياسي حتى لا يكون بمقدور الأقوياء النيل ممن هم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم”. حظوط ترامب الانتخابية سيحددها أمران: نجاحُه في ضمان الحالة التي أفرزها مؤتمر كليفلاند وتحسينها باتجاه تهميش المعترضين داخل حزبه ورفع نسبة الإجماع عليه وجذب المترددين وتجنب حدوث مفاجآت في هذا السياق. وثانيهما، أداء حملة هيلاري ومدى قدرتها على إقناع الأميركيين بأنّ خيار ترامب كارثيّ على أميركا وحلفائها وعلى القيم الإنسانية المتحضرة. كما سيكون نجاح أداء هيلاري مرتبطاً بثلاثة أمور: أولها، الاستثمار في كونها المرأة الأولى التي يرشحها حزب أميركي كبير لرئاسة أقوى دولة في العالم. وثانيها، ترميم انقسام الحزب بسبب التسريبات الإلكتروتية المتعلقة بمنافسها الديمقراطي بيرني ساندرز. وثالثها، النجاح في استقطاب الناخبين المحافظين (وحتى الجمهوريين المعترضين على ترامب) من خلال الاستثمار في نائبها، تيم كين، الذي اختارته، لهذا الغرض، من الجناح المحافظ وليس من جناح ساندرز التقدمي الاشتراكي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock