منوعات

هيوجينز يستعد لكشف أسرار القمر الغامض

القاهرة – يستعد مسبار الفضاء هيوجينز للنزول على سطح تيتان الضخم أكبر الاقمار التابعة لكوكب زحل. ومن المتوقع أن يشق المسبار الذي يزن 319 كيلوجراما طريقه وسط غلاف تيتان الجوي ملتقطا صورا وعينات من المواد الموجودة.


   وقال موقع بي بي سي أون لاين التابع لهيئة الإذاعة البريطانية إن الباحثين سيسرون بأية معلومات يجمعها مسبار الفضاء الذي كان نتاجا لتعاون أمريكي أوروبي عن الغلاف الجوي لتيتان الغني بالنيتروجين. لكن الانجاز الاكبر للعلماء سيتحقق إذا تمكن هيوجينز من التقاط صور لسطح ذلك القمر. وكان للتقنية السويسرية دور في نجاح انفصال المسبار عن المركبة الأم كاسيني، حيث قامت 4 شركات بتصميم وتصنيع أجزاء هامة في هذا المسبار.


    ويعتقد العلماء أن تيتان الذي تبلغ درجة الحرارة على سطحه 180 درجة مئوية تحت الصفر ربما يكون به بحيرات أو بحار من الميثان أو الايثان لذا فإن هيوجينز قد يهبط في الماء ليكون أول مركبة تجمع معلومات عن بحار ومحيطات خارج الارض. ويذكر أن جميع المحاولات لالتقاط صور لسطح القمر باءت بالفشل بسبب الضباب الذي يغلف سطح القمر ويمنع من معرفة طبيعة سطح تيتان.


    وحاولت كاسيني وهي المركبة الام التي انفصل عنها المسبار التقاط بعض الصور لكن كل ما أرسلته يظهر أماكن مظلمة وأخرى مضيئة على سطح تيتان. وفشل العلماء في معرفة طبيعة هذه المناطق. وحسب قول كارولين بوركو من فريق تحليل الصور التي يلتقطها كاسيني “يعتقد البعض أن المناطق المظلمة تعني المحيطات.”


    وقال جاكوب فراوخيغر المسؤول عن ابحاث الفضاء في الحكومة السويسرية، أن عملية انفصال المسبار تمت بسهولة ودقة متناهية مثل “محرك الساعة”، بينما اعتبرها دافيد ساوث – وود من وكالة الفضاء الأوروبية ESA خطوة هامة في رحلة المسبار إلى تيتان. أما الأكثر سعادة بنجاح تلك المرحلة الهامة من الرحلة، فهي الشركات السويسرية التي ساهمت بتقنيات متطورة في صناعة المسبار


     فقد قامت شركة “كونترافيس سبيس” Contraves Space السويسرية المتخصصة في تقنيات الفضاء، بتصميم وتنفيذ آلية انفصال المسبار عن السفينة الأم، حيث أعرب مديرها اومبرتو سومايني عن سعادته لنجاح تقنية الشركة دون أية عوائق تذكر.


    وتعود التقنية المستخدمة في انفصال المسبار الفضائي، إلى ابتكار سويسري يعود إلى 10 سنوات خلت عملت شركة “كونترافيس سبيس” على تطويره في الفترة ما بين عامي 1992 و 1994، إلى جانب 3 شركات سويسرية أخرى، هي “أبكو” APCO في مدينة “فوفيه” Vevey التي صنعت تقنية خاصة لتغطية المسبار، وشركة سيدرال Siedral التابعة لمجموعة الكاتيل للاتصالات، التي ابتكرت المجسات الالكترونية الحساسة المستخدمة في ترتيب المعطيات والبيانات، في حين قدمت “ميكانيكس” Mecanex من مدينة نيون المرشحات وتقنية خاصة تحافظ على توازن المسبار “هويغنز” اثناء رحلته، وهو ما يرى فيه العاملون في هذا المجال نجاحا كبيرا للجودة السويسرية.


     وقال اومبرتو سومايني بأن الشركة ساهمت بثلاثة أجزاء هامة في تلك المرحلة؛ الأولى: تقنية انفصال المسبار عن السفينة الأم، ثم تغطية الجزئين العلوي والخلفي بعد الانفصال، ويضيف: “أهم المكونات التي قدمناها كانت الغطاء الحراري العازل للجزء العلوي من المسبار، الذي يقوم بحماية المكونات الإلكترونية الدقيقة والفائقة الحساسية، ومن بينها مكونات مسؤولة عن تقليل السرعة أو إعطاء قوة دفع للمحرك”.


     ويشرح سومايني أهمية هذا الدرع الحراري الواقي قائلا، بأن دخول المسبار إلى مجال القمر تيتان ينتج عنه احتكاك كبير بين جسم المسبار والمجال المحيط بالقمر، وهو ما يرفع من درجة الحرارة بشكل كبير، مما قد يؤدي إلى عطب في الأجهزة الدقيقة التي يحملها المسبار، فضلا على أن القياسات السابقة أفادت بأن درجة الحرارة المحيطة بالقمر تيتان في الأصل مرتفعة.


     وعلى الرغم من نجاح عملية انفصال المسبار واستكمالها دون معوقات، فإن بعض التوتر يخيم على شركة “كونترافيس سبيس” Contraves Space السويسرية، حيث يرى مديرها اومبرتو سومايني، بأن النجاح الحقيقي “سيكون في استكمال جميع خطوات الرحلة وفقا لبرنامجها، وعندها سنشعر بالراحة والاعتزاز أيضا”.


    وكان المسبار انفصل عن كاسيني قبل 3 أسابيع وانطلق بسرعة 30 سنتيمترا في الثانية مع القيام بسبع لفات في الدقيقة الامر الذي سيساعد على توفير الثبات له عند دخوله المجال الجوي لتيتان في تمام الساعة 0907 بتوقيت جرينتش. لكن العلماء على الارض لن يعلموا ما إذا كانت المهمة نجحت أم فشلت بعد ذلك التوقيت قبل مرور عدة ساعات. ويتوقع العلماء أن تستغرق رحلة المسبار في الغلاف الغازي لهذا القمر الغامض ساعتين من الزمن للهبوط على سطحه.


     وعندما يلامس المسبار الغلاف الجوي لتيتان سترتفع سرعته إلى ماك 2 وهي ضعف سرعة الصوت ثم ستنخفض إلى ماك 1.5 بفعل الاحتكاك بجو القمر وعندها ستنفتح أولى المظلات الثلاث. ويقول أحد الخبراء إنه لا بد للمظلة الثانية أن تنفتح بعد الاولى بثلاثين ثانية ما يعطي فكرة عن تعقيد المهمة.


    يذكر أن مسافة شاسعة تفصل بين الارض وكوكب زحل لذا فإن الاشارات التي ترسلها كاسيني تستغرق ساعات حتى تصل إلى الارض. ويشعر الباحثون البريطانيون الذين يشاركون في مشروع هيوجينز بقلق بالغ خاصة وأنهم في نفس الوقت من العام الماضي كانوا ينتظرون بترقب وصول مسبار الفضاء بيجل إلى سطح المريخ.


    ويذكر أن المعلومات المتوفرة حول كوكب تايتان تفيد بأنه القمر الوحيد في المجموعة الشمسية الذي يلفه غلاف غازي يمثل النيتروجين 90% من مكوناته، ويفوق حجمه كوكبي عطارد وبلوتون، ولكنه أقل حجما من الأرض، ومن غير المعروف إن كانت تلك النسبة العالية من هذا الغاز قد تكونت من مخلفات المذنبات الطائرة في الفضاء، أو من سحب غازية تكونت لأسباب مجهولة. وبهذه الخطوة يكون المسبار “هويغنز” قد قطع مسافة تبلغ 3.5 مليار كيلومتر ملتحما بالمركبة كاسيني في رحلة استغرفت سبعة أعوام.


     ويبلغ قطر هويغنز 2.7 مترا وهو على هيئة طبق طائر يصل وزنه إلى 350 كليوغراما، وتكاليف إنتاجه إلى 400 مليون فرنك سويسري، بينما تبلغ تكلفة الرحلة الفضائية برمتها 4.1 مليار فرنك، ويعمل فيها 250 شخصا من الولايات المتحدة و17 دولة أوروبية، في أول مشاركة بهذا الحجم بين الجانبين في رحلات اكتشاف الفضاء.


    ويعود اختيار اسم “كاسيني” على السفينة الفضائية الأم و “هويغنز” على المسبار المتجه إلى القمر تايتان، كنوع من العرفان بالجميل لعالمي الفضاء، الإيطالي جيوفاني دومينكو كاسيني الذي تعرف في القرن السابع عشر على حلقة الأقمار المحيطة بكوكب زحل، والهولندي كريستيان هويغنز الذي رصد القمر تايتان للمرة الأولى في عام 1655.


    وكان التعرف على تايتان عن قرب، قد بدأ منذ قيام المركبة الفضائية الأمريكية “فواياجير” Voyager في عامي 1980 و1981 بإرسال معلومات تفصيلية عنه إلى الأرض ، ثم قدم منظار “هابل” Hubble الفضائي العملاق في عام 1994 المزيد من الصور والبيانات، إلا أن الغلاف الغازي المشبع بالغبار والمحيط بهذا القمر الغامض، لم يسمح بالحصول على معلومات أكثر دقة.


    في الوقت نفسه يتوقع بعض العلماء بأن تزيد المعلومات التي سيحصل عليها المسبار “هويغنز” حول تايتان من غموض النظريات المتداولة حاليا حول نشأة الحياة فوق سطح الأرض، وكيفية تكوين الغلاف الجوي حول الكوكب الأزرق، إلا أنهم في الوقت نفسه لا يتوقعون وجود حياة على سطح القمر تايتان، فدرجة حرارته تصل إلى 180 درجة مئوية تحت الصفر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock