أفكار ومواقفرأي في حياتنا

هي أشياء “صارت” تشترى!

إبراهيم جابر إبراهيم

لم تعد المساحة الفاصلة بين متطلبات الإنسان المادية والعاطفية قائمة، ثمة الآن خلط كبير بين الاحتياجات، وكل شيء صار يمكن توفيره بالثمن المناسب!

وبإمكانك الآن أن تجد في “السوبر ماركت” ما شئت، حتى الكلام، وإن كنت بصدد الذهاب الى موعد عاطفي أو عائلي أو حتى مقابلة عمل، وارتبكت في الكلام الذي ستعدّه، فبإمكانك الآن أن تشتري هذا الكلام!

فثمة شركات تؤمن لك بواسطة رسائل قصيرة مدفوعة ما تحتاجه من حجج وأعذار، وضحكات، ووسائل إقناع، وحتى كلمات العتب والحزن صارت متوفرة وبأسعار لا تقاوم!

خذ مثلاً هذه الرسالة التي جاءتني على هاتفي أمس، (كم مرة رجيتك وقلبك الظالم عنيد، والحين بَعدك صار فراقك عندي عيد)،.. والرسالة متبوعة بعبارة (لكي تحصل على أجمل رسائل العتاب والفراق أرسل كلمة “فراق” الى الرقم كذا، متبوعة بعلامة النجمة، مقابل 5 دراهم أسبوعياً)!

لا شيء عصيٌّ على الشركات في هذا الزمان، يُعدّون الطعام ويربّون الأبناء ويغسلون السيارات، وها هم يبتكرون هذه الخدمة الجديدة فيعتنون بأصحاب القلوب الضعيفة، ويزودونهم بالرسائل التي تعبر عن فرحهم أو غضبهم، وربما سيزودونهم لاحقاً بزجاجات الدموع الجاهزة!

قبل ذلك جاءتني رسائل كثيرة من هذا القبيل؛ منها مثلاً أدعية دينية، حيث الشركة تعرف أكثر الأدعية استجابة، وأسرعها في التحقق، والشركة هنا لا تتدخل في العلاقة بين العبد وربّه، لكنها تحاول مساعدة العبد القليل الحيلة، الذي يعجز عن تأليف دعاء يعبر عن حاجته الشخصية، فيؤلفون هم العشرات من الأدعية الجاهزة، المناسبة لاحتياجات الأعزب والمتزوج والكبير والصغير، أدعية للمغفرة والندم، وأدعية للطلب والحاجة، وأدعية للشفاء أو النجاح أو الحصول على المناقصة!

وهي أمور ليست بعيدة عن شغل “الفتّاحين” الذين يقرأون الكفّ والفنجان، ويكتبون الحُجُب والتمائم، ويردّون الحبيب، ويُفشلون زواج الزوج بامرأة ثانية!

وهكذا، في هذا العصر السهل؛ حيث الحياة كلها قائمة على فكرة “الديليفري”، يصير كل شيء قابلا للبيع والتعليب والتغليف، ويصلك حتى باب البيت، وبعد أن تمت إراحة المستهلك لوقت طويل من استخدام يديه، حان الوقت فيما يبدو لإراحته من استخدام عقله ومشاعره، وصار بإمكانه أن يستخدم عبوة جاهزة من مشاعر العتب، أو كلمات الغرام، وبكلفة قليلة، ودون أن يشعر بتلك الحرقة وهو يحاول صياغة ألمه على شكل كلمات، ثمة الآن من سيوفر له كل شيء، ولن يشعر بالحرج عند لقاء شريكه، فعلى الأغلب أن الآخر جاء يحمل في جيبه الداخلي عبوات مشابهة ومن الشركة نفسها، أو من شركة أكثر جودة!

هكذا لا يشعر الناس بالألم، ولا بالأرق، ولا ينكسرون أو يهزمون، ولا يشعرون بالفقد أو الخسارة… حيث ثمة من سيشعر بالنيابة عنك، وستكون مشاعرك ضمن أوراقه الكثيرة التي سيسهر عليها، وقد يصوغ لك أقسى عبارات الحزن وهو بأشد حالات السعادة، فتلك وظيفته آخر الأمر، يتقاضى عليها أجراً، وهنا لا بد من شكر هذه الشركات التي ستوفر فرص عمل ضخمة لعدد كبير من الكُتّاب الموهوبين الذين يمكن أن يشتغلوا في هذه الأعمال المبتكرة!

المقال السابق للكاتب 

“أنا محمد وعمري عشرين سنة”!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock