فكر وأديان

“وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له”

د. محمد المجالي

ونحن على أبواب رمضان، نهيئ النفس لاستقبال الضيف، ومن حق الضيف إكرامه، وفي الحقيقة نحن نكرم أنفسنا، بينما الضيف يكفيه أن يقربنا إلى الحقيقة، ويسهم في جلاء الحقيقة، وتقوية العزيمة، وبناء الإرادة. هي فرصة لنتذكر أنها حياتنا، ولن يعيش أحدنا أكثر من حياة، وهي منتهية حتما في وقت لا ندري متى هو، ولكننا نوقن جميعا بأننا راحلون، وقليل من يوقن بحقيقة وجود حياة آخرة، هي الحياة الباقية، فالدنيا ممر، والآخرة مقر، وحُق للعاقل أن يعمل للدار الباقية، ولا يتعلق بالفانية، بل يجعلها وسيلة للآخرة.
لا يخطر في بال أي إنسان حين يفكر في نفسه التفكير الجاد إلا مسألة علاقته بخالقه، ومدى رضا الله عنه، وهذه الأوزار التي أثقلت الظهر، وكيف يتحلل منها، والعجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستعرض فضائل رمضان بما فيه من صيام وقيام عام للياليه خاصة ليلة القدر، فإنه ذكر بوضوح الثمرة وهي مغفرة الذنوب، فقال صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه”، ومثله تماما ولكن: “من قام رمضان..”، “من قام ليلة القدر..”، فهل هذا من فراغ؟ أم أنه يعني شيئا، صلى الله عليه وسلم؟
في الحقيقة، رمضان شهرُ تحلّلٍ من الذنوب مهما عظمت، وفرصة لإشراق الروح، وجلاء الغشاوة، واستنارة الطريق، والتعرف على الذات والحقيقة، فكأن الانشغال بالأمور المادية بعيدا عن الروح يضفي شيئا من اللهو واللعب في شؤون الدنيا، ومن هنا، فالتركيز على مغفرة الذنوب لأن التخلية قبل التحلية، ولا يمكن للإنسان أن يرتقي وهو محمل بالأوزار، حتى من يريد أن يصعد جبلا فلا يمكنه ذلك وهو يحمل الأثقال على ظهره ورأسه، وكأن الله تعالى يريدنا أن نتحلل من هذه العلائق التي تشدنا إلى الأرض والدنيا، ثم نبدأ التحلية والارتقاء، فلا ارتقاء بأثقال وأوزار، بل شفافية الروح وإشراقها، لا لتحلق في أعالي الجبال، بل هناك في جنة عرضها السماوات والأرض أعِدت للمتقين.
ولعل هذا ما تؤكده آيات الصيام المفتتحة بغاية تحقيق ثمرة التقوى: “كُتِب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”، وختمت أيضا بالتقوى: “كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون”، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبه إلى أن من لوازم التقوى ومكملاتها تحلل العبد من ذنوبه.
في أرجى آية في القرآن يقول الله تعالى: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم”، فمهما بلغت الذنوب من الكثرة والعظم، ويعبر عن هذا المعنى كلمة (أسرفوا)، فلا ينبغي لصاحبها أن يقنط إن توجه إلى الله تعالى، فالله يغفر الذنوب مهما بلغت، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسطها بالنهار ليتوب مسيء الليل، رحيم حليم كريم، وهو سبحانه إذ يعلن هذه الحقيقة، ويطلب من العبد أن لا يقنط، فإنه يرشد العبد إلى الطريق الصحيح ليكتمل مشهد التوبة والمغفرة، فقال بعد هذه الآية مباشرة: “وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تُنصَرون. واتبعوا أحسن ما أُنزِل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون”.
إنه خطاب واضح بضرورة الإقدام والعمل، لا مجرد الاكتفاء باعتقاد أنه تعالى غفور رحيم، فلا بد من الإنابة إليه أولا، وهو الرب الرحيم بعباده، والإنابة تعني التوبة والتحلل من الذنوب، سواء كانت بفعل معصية، أو ترك طاعة، فمن لوازم هذه الإنابة الاستسلام لله تعالى والانقياد والخضوع له، وهذا أبسط معنى للإسلام، ورد للنفس إلى أصل فطرتها. وإن لم تكن هذه الإنابة، فهو العذاب لا محالة، وحينها لا يوجد ناصر لهذا الإنسان، فهو لم ينصر نفسه ابتداء، وكل الناس غيره مشغولون بأنفسهم، كل يريد النجاة.
وبعد هذه الإنابة، يطلب الله تعالى خطوة أخرى وهي الاتباع، حيثُ أحسن ما أنزل الله تعالى من الوحي الخاتم، أو الشرائع وهي شريعة الإسلام، هذا الدين الذي أكمله الله وأتم نعمته به علينا، ورضيه لنا، فليس الاتباع مسير وفق هوى، ولا خبط عشواء، بل اتباع لمنهج واضح مستقيم، من لدن حكيم خبير، فإن لم يكن الاتباع، فهو أيضا التهديد بإتيان العذاب بغتة، من دون شعور الإنسان، فهو لاه غير آبه، محور تركيزه في شهواته وملذات هذه الحياة الدنيا.
وتسترسل الآيات في عرض مشاهد الحسرة والندم يوم القيامة على ما فرط به الإنسان، الموقف الذي بإمكاننا الاستغناء عنه الآن، بأن ننقاد إلى منهجه تعالى فنسلَم، بل نبلغ الدرجات العليا إن شاء الله.
لله في أيام دهرنا نفحات ينبغي للعاقل أن يتعرض لها ليقتبس شيئا منها، ورب لحظة يقين وإخبات إلى الله تعالى تغيّر من حياة العبد كليا، فهو أقرب إلى التائه الحيران الأعمى المغرور، فلحظة واحدة من التفكير بعيدا عن تشويش العامة، ربما تقوده إلى هذا الالتزام المرجو، على الأقل أن يبصر الطريق ويتبعها بالحد الأدنى من السلوك، ويوما بعد يوم يتحسن أداؤه ويقينه، يجاهد نفسه ويلجمها عن شهواتها، والصيام من أكد هذه العبادات في صقل النفس وتهذيب السلوك، حين تنطفئ جذوة الميل المادي الشهواني، وتشرق جوانب النفس التي بها يكون الإنسان إنسانا مكرما.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock