فكر وأديان

“وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه، وإذا مسّه الشر كان يؤوسا”

د. محمد المجالي

هي طبيعة الإنسان، بين الله كثيرا من تفاصيلها، فبرغم ما هناك من صفات إيجابية له، حيث تكريمه، وتمييزه بالعلم والعقل، وسجود الملائكة لآدم، وكونه خليفة، وخلقه في أحسن تقويم، وتسخير الكون له، وجعله مختارا مكلفا، فهي كلها أهّلته للغاية من خلقه، حيث العبادة: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، مع هذا، ومن باب الواقعية في التعامل، لا الاكتفاء بالمثالية، فقد بين الله تعالى بعض الصفات السلبية للإنسان، فهو ليس معصوما ولا ملاكا، ومن هذه الصفات التي وردت في القرآن أنه (ضعيف، يؤوس كفور، ظلوم كفّار، خصيم مبين، عجول، قتور، أكثر شيء جدلا، ظلوم جهول، خلق هلوعا، إذا مسه الخير منوعا، وإذا مسه الشر جزوعا، يطغى أن رآه استغنى، كنود).
إلا أن هذه الصفات السلبية كلها لا تحط من قيمته، بل لبيان حقيقة تركيبته وخصائصه، فالإنسان مكرم مفضل كما بينا، ومن واقعية الإسلام أنه يتعامل مع الإنسان كإنسان، فهو لا يعامله كمخلوق معصوم أو على أنه ملاك، أو أن البشر جميعًا في درجة واحدة من الصفات الإيجابية. وفي المقابل فلا ينظر الإسلام إلى الإنسان على أنه حيوان، يجوز عليه كل ما يجوز على الحيوانات، لا، بل النظرة هي أن في الإنسان جانب الروح والتكريم والمسؤولية، وفيه أيضًا جانب الشهوة والملذة، فهو خليط من الأمرين معًا.
ومن هنا نرى كيف بيّن القرآن هذه الصفات السلبية للإنسان، والتي ظاهرها أنها ذم له، وهي في الحقيقة أمور كي تراعى في شخصيته، في التعامل معه، وفي تربيته وتوجيهه، ولذلك جاء التشريع في العموم ليبني الصفات الإيجابية التي تؤدي به في النهاية إلى تحقيق الهدف من خلقه، ولينجو في هذه الدنيا وفي الآخرة، فما الإكثار من الحديث عن الآخرة في القرآن إلا تهيئة وتوجيها للإنسان أن يميز بين الأشياء، نافعها وضارها، خيرها وشرها، فيتبع الخير والنفع رغم صعوبة الطريق، وينتهي عن الضر والشر، رغم إغراءات الطريق. وعودة على الآية موضوع المقال، فهي من سورة الإسراء، السورة التي ذُكِر فيها القرآن أكثر من غيرها، والتي هي من اسمها فيها ارتقاء وسمو بالإنسان إن سلك مسلك الصلاح، واتخذ القرآن إماما له، إذ جاء في السورة: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا”، فهو الحق كله: “وبالحق أنزلناه وبالحق نزل”.
جاءت هذه الآية في مقطع ابتدأ بالحديث عن تكريم بني آدم: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”، وأُتبعت هذه الآية ببعض ما ينبغي التزامه لاستمرار تكريمه، حيث الثبات على المنهج رغم شدة التحدي وقوته، وإقام الصلاة، خاصة الفجر، وقيام الليل وصحبة القرآن الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين، هنا يتعزز الحق في واقع النفس قبل أن يظهر على واقع الأرض: “وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا”، وهنا يأتي قوله تعالى: “وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤوسا”، وبعدها حديث عن تنوع توجهات الإنسان ومقاصده، وتأكيد على إعجاز القرآن وقوة حجته، ليواجه به المسلم كل التحديات والفتن والشبهات التي يثيرها أعداؤنا. فلماذا تأتي هذه الآية في هذا السياق؟ إنها تنبئ عن شيء سلبي في الإنسان والأصل ألا يكون في هذه المواقف بالذات، حين تتقلب عليه الحياة، وهي كذلك لا تستقيم لأحد على حالة واحدة، فلا ينبغي للإنسان أن يكون مترددا يسير وفق هواه ومصالحه، فالأصل أنه يقابل النعمة بالشكر، لا بالإعراض والنأي بنفسه عن طاعة الله، فهو إن كان كذلك بعيدا عن الله مغرورا بنفسه التي تحدثه أن ما حصل عليه من مال ومتاع في الدنيا إنما هو بجهده وكدّه وتخطيطه، هو إن بقي هكذا لا يستشعر توفيق الله وتيسيره الخير له، فإذا مسه الشر كان يؤوسا، لأنه لو عوّد نفسه الارتباط بالله تعالى لوجد أن هذه المصائب والابتلاءات طريقها الصبر واليقين بالله تعالى واللجوء إليه، لا بأن ييأس ويضجر، فالإنسان ضعيف فقير إلى الله، لا بد أن يدرك هذه الحقيقة.
هي دعوة لكثير منا هذه الأيام، حيث ضعف العقيدة والالتزام عموما، أن نحسن ثقتنا بالله تعالى، وأن نعتقد أنه وحده سبحانه المنعم والرزاق، فلا حول لنا ولا قوة إلا به، وهذا لا يؤثر على الأخذ بالأسباب، بل سنن الله تتحدث أنه لا بد من التوكل لا التواكل، الأخذ بالأسباب الصحيحة، والتوكل على الحي الذي لا يموت، وثق بالله تعالى، فإن أعطى فلحكمة، وإن منع وأخّر عطاءه فلحكمة، بهذه العلاقة الواضحة مع الله، واليقين والثقة به، وكل شيء منه هو خير. أما اليأس فلا يجوز أن يجد طريقا إلى قلب المؤمن، وقد قالها الله تعالى صريحة: “إنه لا ييأس من روْح الله إلا القوم الكافرون”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock