فكر وأديان

“وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله”

د. محمد المجالي

هي سورة الأنعام التي تؤسس وتؤكد موضوع الإيمان من خلال عرض آيات الله المبثوثة في السماوات والأرض والنفس، فهو سبحانه الخالق وحده، ويترتب على ذلك أن يُعْبَد وحده، ولا يُشرَك به شيء، وبهذا تتكامل في نفس الإنسان جوانب الطمأنينة الباعثة على الإيجابية في الحياة، فهو المخلوق المنضبط لما يريده سيده، لا يشتت نفسه فتضل بوصلته، فربه أرشده إلى الصراط المستقيم في الدنيا ليفلح ويبني، وفي الآخرة ليكون من الفائزين بجنة عرضها السماوات والأرض أُعِدت للمتقين.
ليس عجيبا أن تكون السورة، ومثلها كثير من سور القرآن خاصة المكي منها، أن تبني الإيمان بالله، وتبني التصورات الصحيحة للحياة والمآل والكون والنفس، وتقرر القضايا الغيبية، فكثيرة هي الأشياء التي تحتاج توضيحا وإقناعا، ولا بد فيها من المصادر الموثوقة المقنعة لذوي العقول السليمة، وإلا كان المصير ضلالا أو ردة وإلحادا، وهو الأمر الذي ينتشر إن غاب أهل الحق عن ميدانهم الدعوي، أو شك الناس في أهليتهم والتزامهم ومصداقيتهم.
والآية موضوع المقالة تركز على مسألة الطاعة التي ينبغي أن تكون لمن يستحقها، فالطاعة المطلقة لله ورسوله المبلِّغ عنه سبحانه، وما سواهما طاعته مقيدة بطاعتهما، وفي الآية توجيه إلى الاطمئنان لما يأتي من جهته سبحانه، فلا يأمر إلا بما هو حق، ولا يهدي إلا إلى الحق والاستقامة، لسبب رئيس أنه الخالق العالم بما يصلح لمخلوقاته، فهو الخبير العليم الحكيم سبحانه، ولا يجوز للمؤمن الحق إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون له الاختيار بعد ذلك، فدوره هو الطاعة والالتزام، وله أن يتدبر ويفهم ويردف مع التسليم فهما ينير له الطريق، ولكنه لا يسمح لنفسه أن يتجاوز حد العبودية لله، فتضل به نفسه ويتبع غير شرع الله، أو يفهمه كما يريد هو بعيدا عن ضوابط الفهم، أو ينساق وراء أفهام غيره من أهل الأهواء.
هذا الدين متين محكم، فصّل الله تعالى فيه أشياء وترك أشياء، والتي تركها أصّلها وحصّنها، فالأحكام في القرآن بين تفصيل وتأصيل، وما لم يُفصَّل فهو دور النبي صلى الله عليه وسلم أن يفصّله كونه أمرا تطبيقيا، وكل ذلك بأمر الله تعالى، إذ الوحي وحيان: قرآن وسنة، فما ينطق صلى الله عليه وسلم عن هواه، بل أوتي القرآن ومثله معه. وحتى ما لم يفصله النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عن قصد، إذ هو من الأمور المرنة القابلة للتكيف مع أحوال الناس في كل زمان ومكان، فالمهم جوهرها وتحقيق مقاصدها، ويُترَك لعلماء كل عصر الاجتهاد في تحقيق المصالح للناس بشأنها.
ومن هنا جاءت هذه الآية في سياق الحوار مع المشركين، فهم لا يؤمنون، ويتهربون من أية مسؤولية تربطهم بالله تعالى، يريدون اتباع أهوائهم وشهواتهم، فالالتزام بالنسبة إليهم تقييد، وما علموا أنهم مقيدون بل عبيد لأهوائهم وآلهتهم التي يعبدون من دون الله، علموا ذلك أم لم يعلموا، فالإنسان عابد على كل حال، فلتكن عبوديته لمن يستحقها، وصدق الله: “أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون”، فالمسألة لا تحتاج كثير عقل ليدركها الإنسان، بل مجرد تذكر ليس إلا، فلينظر في نفسه وفي الكون حوله، أيُعقل أن تكون العبادة، ومن ثم الطاعة، لغير مستحقها، وهو الله وحده؟!
لقد استكبر المشركون عن دعوة الحق، وبين سبحانه في سياق الآية أنهم اعترضوا على كون الرسول بشرا، وبين سبحانه أنه لو أنزل إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وجاء بكل آية أمامهم لما آمنوا، ففي نفوسهم كبر، الأمر الذي أعان الشيطان على أن يتحكم في عقولهم وقلوبهم، سواء كان هذا الشيطان من الجن أو الإنس، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، هدفهم أن تصغى إليهم أفئدة الناس فيتبعوهم. وهنا يرشدنا الله تعالى إلى أن لا نبتغي غيره حكما وإلها، فهو الذي أنزل الكتاب مفصلا، والذين أوتوا الكتاب يعلمون هذه الحقيقة بالذات، ولعل التصريح باسمهم هنا كون شيء من التضليل يكون عن طريقهم، مع أنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن هذا الكتاب حق.
في هذه اللحظة يخبرنا الله تعالى أن نطمئن لمنهجه، فقد تمت كلمته سبحانه صدقا وعدلا، ويا لهما من وصفين متينين مريحين للنفس العاقلة، حيث الصدق والعدل، ولا مُبدّل لكلماته سبحانه، فهو السميع العليم، ولا نشتت أنفسنا في البحث عن بديل لما هو صدق وعدل، فلو أطعنا أكثر مَنْ في الأرض فالنتيجة هي الضلال، لأن أمرهم مبني على الظن والكذب: “وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إنْ يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون”، أي لا يتبعون إلا الظن لا الحقيقة والصدق والعدل، وما هم إلا يكذبون، فالخرص هنا الكذب، حيث القول بالظن والتخمين، وشتان بين حق دامغ واضح، وبين تخريص لا يقود إلا إلى ضلال وحيرة.
هذا زمان تكثر فيه الشهوات والشبهات، وأحدنا بحاجة إلى يقين بربه تعالى، وإلى نور يضيء له عتمة الطريق، وإلى فرقان يعتصم به عن الزلل، فهذا الكتاب المحفوظ المعجز هو آكد ما يبعث على الثقة بالمنهج، هو كلام الله، فما علينا إلا التعرف عليه وتدبره والعمل به، فلا بد من لجم النفس عن اتباع الأهواء، وردها إلى ما به سعادتها في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock