فكر وأديان

“وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء”

د. محمد المجالي

لما أعز الله دينه ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، فكان فتح مكة بعد ثماني سنين من إخراج قومه له، وكانت غزوة حنين في العام نفسه، ومن ثم غزوة تبوك في العام التاسع، فاستقر هذا الدين وعظم شأنه، ودخل الناس فيه أفواجا فيما سمِّي بعام الوفود، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم فورا، بل كانت حجته (وهي حجة الوداع) في العام العاشر للهجرة، ولم يمكث بعدها إلا أشهرا حتى توفي عليه الصلاة والسلام.
وفي حج العام التاسع، أمَّر النبي صلى الله عليه وسلم على الحج أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأنزل الله تعالى على رسوله صدر سورة التوبة (براءة)، وفيها البراءة من المشركين وعهودهم، وبعض الأحكام العامة المتعلقة بدخول المشركين إلى مكة، وإلى الحرم خاصة، والعرب كانوا يعظّمون الكعبة رغم شركهم، وهم إنما اتخذوا الأصنام آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، وهو شرك عظيم كفروا بسببه، فرغم معرفتهم بالله وأنه الخالق إلا أن ذلك لا يفيدهم، فلا بد من توحيده، بأن توجه العبادة له وحده، ولا بد من اعتقاد أن الأمر بيده وحده: “ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين”.
وفي جملة تلك الأحكام أن لا يدخل المشركون الحرم لأنهم نَجَس: “يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خِفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء، إن الله عليم حكيم”، فالمشركون نجس، سواء كانت نجاسة مادية أم معنوية، فلا يدخلوا المسجد الحرام من الآن فصاعدا، وإن خفتم أيها المؤمنون عيلة، أي فاقة وفقرا بسبب انقطاع تجارتكم مع المشركين نتيجة لمنعهم من دخول الحرم، فسوف يغنيكم الله من فضله، وللمفسرين كلام كثير في ذلك البديل، والأفضل عدم تحديده، فليبق هكذا منفتحا: “فسوف يغنيكم الله من فضله”، فهو المنعم والمتفضل، بيده مقاليد الأمور كلها، يعطي ويمنع، يحيي ويميت، يقبض ويبسط، يرفع ويخفض، له الأمر كله، ولا يكون شيء في كونه إلا بعلمه وبحكمته، سبحانه.
هو سبحانه وتعالى الذي يغني الإنسان إن ترك شيئا لله تعالى، وهي دعوة للناس أن يهجروا كل ما نهاهم الله عنه، طاعة لله، والبديل قطعا موجود، والله هو الذي يبارك ويعطي، حتى لو لم يعط الإنسان فهو الابتلاء والتمحيص، ولا بد من الصبر والأخذ بالأسباب الصحيحة، وحسن التوكل عليه سبحانه، فليس العطاء دليل محبة، ولا المنع دليل كراهية، فهي حكمته تعالى في تدبير الأمور، وهو أعلم ببواطن النفوس ومآلات الأمور.
كثيرة هي وسائل الكسب التي ربما يحوم الإنسان حولها، وأحيانا يريد فتوى تجيز له فعل الحرام أو الشبهات، وربما يتطاول على الشرع لماذا حرَّم كذا وكذا، وما العلة، وهذا ليس منطقيا، وتراه يجادل ويريد إقناع الناس بفكرته، مثل أمور الربا وبعض أنواع التجارة المحرمة، وبعض الأحكام المرتبطة بالأسرة والعقوبات والنظرة إلى غير المسلمين، وينسى هؤلاء أنها تشريعات أرادها الله تعالى، واضحة لا لبس فيها، فما كان باجتهاد ورأي فلا مانع من مراجعته والوقوف عنده، أما النصوص القطعية في ثبوتها ودلالتها فلا مناص من الالتزام بها، ولو استشعر الإنسان عدم منطقيتها، فالحكم العقلي متفاوت، وما تراه غير منطقي يراه غيرك غاية في الدقة والواقعية، وهكذا.
إن خفتم أيها المؤمنون فقرا بسبب التزام أحكام الله، فسيغنيكم الله تعالى من فضله، وكثيرة هي الأشياء التي نمارسها خطأ بحجة تشجيع الاقتصاد والاستثمار، فإن تركنا الحرام الذي نص الشرع عليه لله، فسيعوضنا الله خيرا منه، وينبغي أن يكون هذا يقينا راسخا، فالضامن هو الله، وكفى بالله وكيلا.
نقرأ في كتاب الله: “ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه”، وهذه تنطبق على الأفراد والمجتمعات معا، فتقوى الله التي تمنع الإنسان من اقتراف الحرام تجلب له الخلاص من أزمته، بل يرزقه الله من حيث لا يتوقع، فإنه إذا أعطى أدهش، فالمطلوب حسن الظن به تعالى، وحسن التوكل عليه، حينها يكون اللهُ كافيا عبده، متوليا شأنه، وأنعم بها من كفاية وولاية ورعاية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock