أفكار ومواقف

واقع يسخر من الحسابات..!

كل تفصيل في حياتنا منذ بداية العقد متأثر حتماً بتطورات ما بدا “الربيع العربي”، منذ قيام البوعزيزي بإحراق نفسه في مترٍ مربع من شارع لا يكاد يُلحظ من الوطن العربي الطويل العريض. ولم يكن البوعزيزي أول ولا آخر مواطن فقير تهينه الشرطة. ولكن، ما كان بوسع أي محلل أو عبقري في قراءة الوجهات أن يتوقع واحداً على ما لا نهاية مما أفضى إليه ذلك الحادث “الصغير”. لكنّه لم يفترق في النهاية عن قصة “الغراب والجرة” التي قرأناها في الصفوف الابتدائية. كان الغراب يلقي بالحجارة الصغيرة في الجرة التي فيها قليل من الماء، ويرتفع الماء مع كل حجر. وقبل الحجر الأخير الذي جعل الماء في متناول الغراب، لم يكن بوسعه أن يشرب.
* * *
في تلك الفترة، في العام 2011، امتلأ العالَم بالقراءات والتوقعات والتحليلات التي كنا نتلقفها، علها تفيدنا في فهم الحاضر والآتي. وأتذكر بشكل خاص تحليلاً مميزاً نشرته مجلة “فورين أفيرز” التي لا يكتب فيها إلا أصحاب البصيرة غالباً. وكان الكاتب يسرد الأسباب التي تجعل سورية بعيدة تماماً عن احتمال اختبار “الربيع”؛ منها تركيبة النظام السوري والمجتمع واختلافهما، وأنه لا بد أن يكونا قد تعلَما الدروس مما حدث في تونس ومصر وليبيا، والكثير من الأسباب الأخرى. وقد أقنعني الكاتب تماماً بحجته، وأقنع الكثيرين على الأغلب، بأن سورية بالتحديد عصية على أن يمسها شيء. لكن بضعة أولاد خربشوا شيئاً على حائط في حارة، وتصرف ضابط مخفر حسبما اجتهد. وبجرة قلم تهافتت كل الحجج التي بدت رصينة في أطروحة الكاتب المذكور وغيره. وباختصار، ليس من الحكمة استبعاد الاحتمالات واعتبارها صغيرة أو غير واردة.
* * *
ارتفعت في أكثر من مكان عربي أعداد المنتحرين. بل وتكررت حادثة البوعزيزي نفسها في كثير من الشوارع العربية، وإنما لم تعد حرائقها الصغيرة تظهر في غمرة الحريق الهائل الغامر. وكثرة الانتحار تعني شيوع اليأس. واليأس الكامل هو أخطر شيء في العالَم على الإطلاق. عند اليأس يصبح القتل نفسه سهلاً، ويذهب العقل وأي حسابات ومنطقيات. وإذا وصل اليأس حد اعتبار قتل الذات العزيزة خياراً، فإن أي خيار آخر خاضع لحساب الربح والخسارة –أو أنه يخضع لها في الحقيقة؟ وفي حالات متطرفة، انتحر يائسون بعد أن قتلوا أولادهم، ربما معتقدين أنهم فعلوا ذلك بدافع الحبّ الخالص. والمفجرون الانتحاريون أناس يائسون أيضاً، يعتبرون قتل أنفسهم خيراً مُطلقاً. ومِن الملفت كم تهيأت في مجتمعاتنا الشروط –اليأس أكثر ما يكون- لإنتاج عدد لا محدود من هؤلاء وهؤلاء أكثر من أي مكان آخر في العالم.
* * *
هناك شيء يتكرر كثيراً في الأدبيات ويُذكر باحترام كبير، اسمه “دروس التاريخ”. ويُفترض في الدرس أن يعلِّم شيئاً بحيث لا يضطر الأفراد والكيانات إلى التجريب بأنفسهم. لكنَّ دروس التاريخ هي الأقل تعلُّماً وتأثيراً على الأغلب، وكأن لدى البشرية ميل إلى التجريب في الأشياء نفسها مرة وأخرى على أمل الخروج بنتائج مختلفة. وقد أنجب هذا التجريب في كثير من الحالات كوارث جديدة، أضيفت بدورها إلى “الدروس”. وفي الحقيقة، ثمة قول بأن “التاريخ لا يعيد نفسه”، ربما بمعنى أن الحادثة الجديدة لا يمكن -موضوعياً أن تكون نفس حادثة أخرى، ولو تشابهت المقدمات والملامح، تماماً كما أن التوأم السيامي ليسا شيئاً واحداً أبداً. لكن بالوسع افتراض أن المقدمات المتشابهة يغلب أن تفضي إلى عملية مشابهة ونتائج مشابهة –أكثر أو أقل. ولذلك، تجدر مراقبة المقدمات والشروط وتقليل فرصة الصدفة واللعب بالنرد، أو التوترات التي قد تنتج طفرات في لحظات غير متوقعة. كان كل ما اختبره الناس المرتبكون في هذه المناطق في السنوات الأخيرة من أوله خارج التوقعات وتحققاً مثالياً لسوء الحسابات، وعرضاً متواصلاً لقبعة الحاوي الصغيرة التي تكشف في كل لحظة عن شيء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock