أفكار ومواقف

والرد.. من الزمن الجميل

لم أحب أن تثار كل هذه الضجة، وأن تتوسع على مواقع التواصل الاجتماعي ردود الفعل الغاضبة، والتي ساهمت في نشر إساءة ما كانت الأغلبية الساحقة ستنتبه إليها أو تهتم بها. وهي حتما لا تمثل موقع “الوكيل” الإخباري حيث ظهرت، وتزج اسم الكنائس بين أماكن يخبرنا كاتب المادة السخيفة أن الشيطان يأوي إليها فلا تجوز الصلاة فيها! وهي مثل كثير من المواد التي تتزيد على الدين بمعلومات وأخبار ما أنزل الله بها من سلطان؛ بلا أساس لها ولا مرجعية ولا مصدر معروف، وتنشر خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر تطبيق “واتس آب”.
مع الأسف، يُنشر على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي ما هب ودب. وأنا ألاحظ في العادة ما لا يحصى من الأخطاء الإملائية والقواعدية بسبب غياب الرقابة اللغوية في المواقع، وأجزم أن أحدا لم يدقق المادة التي نشرت. وأنا على يقين أن الناشر الأستاذ محمد الوكيل لم يعلم عنها شيئا. وهو أجاب موضحا ومعتذرا للمركز الكاثوليكي للإعلام الذي احتج على المادّة. وكنت أحب أن تنتهي الأمور على نطاق ضيق عند هذا الحدّ.
مع ذلك، ربّ ضارة نافعة. فالمناسبة أعطت فرصة لأناس مميزين لكتابة أشياء رائعة. وأشير هنا إلى مقال عمر داوودية تحت عنوان “عندما صليت في الكنيسة”، وتحدث فيه عن تجربته الجميلة والطريفة بالذهاب إلى الكنيسة ليلة صلاة العيد (سبت النور)، ووجد نفسه منفردا، إذ سبق أصدقاءه المسيحيين الذين اتفق معهم على اللقاء هناك. وقال إن جو الصلاة المشبع بالخشوع والتعبد كما في المساجد، لا يدلّ أبدا على أنها مأوى للشيطان!
وعمر داوودية لم يعد يحتاج الى تعريف، وقد أصبح كاتبا مميزا على خطى والده الأستاذ محمد داوودية؛ الوزير والسفير والكاتب الصحفي والسياسي، الذي تأثر فخورا بالمقال، ولم يستطع الا أن يعقب عليه محدثا ابنه عن الزمن الجميل في مفرق الستينيات: “عشنا معا يا بني، أردنيين متساوين في الحقوق والواجبات، وتشاطرنا الهموم الوطنية والقومية. كنا في المفرق، يا حزام الظهر، في الستينيات عائلة واحدة. كنت اصطحب عمّك الشهيد ميشيل النمري للاستماع إلى خطبة الجمعة من الشيخ الأمجد، وكان عمّك ميشيل يصطحبني إلى الكنيسة لأستمع إلى موعظة الخوري بولس يوم الأحد. كان شباب المفرق يشكلون حلقة ثقافية وأخرى حزبية وثالثة رياضية. كانت حلقات حصانة وطنية ضد كل أوبئة الطائفية والجهوية والإقليمية: محمود إبراهيم كساب -العراب- وغازي هلال النمري -الباشا- وفايز محمود الحصان وفخري أنيس قعوار وسمير نواف الدخيل وعبدالمجيد فيصل الدغمي وتوفيق هلال النمري وفراج عيد فراج وسرحان ذيب النمري ومصطفى صايل الحسبان وماجد عنبتاوي ومحمد ومحمود النجدي وعبدالحميد عرقوب الدغمي وأحمد مرزوق الوزان وفؤاد زيتاوي ويوسف وعماد القسوس وعبدالمهدي علي التميمي ونايف ميخائيل حداد وفيصل ورشيد عبدالرؤوف الدحلة وفايز عودة والياس القسيس ومحمد أبو زيد وهيثم يعقوب فاخوري ونايف عطالله الليثي ولورنس كبوشي ورياض سند بيروتي وأسعد عطا قويدر وعلي محمد مشري وفيكتور نشيوات”.
وقائمة أسماء الشباب، وبعضها رباعية، التي ذكرها داوودية -بذاكرة يحسد عليها، لفحتنا بموجة حنين جارفة إلى تلك الحقبة- تهدف إلى إعطاء فكرة عن المجتمع الصغير الذي تشكل، وكان عيّنة تمثيلية دقيقة لكل الوطن بضفتيه. وأنا كنت من الجيل التالي مباشرة، وأذكر هذا الشباب الرائع الذي نقل إلينا قيم التنوير والثقافة الوطنية والقومية والتقدمية، وهي ما تزال حيّة، وستهزم حتما الموجة الظلامية الطارئة.

تعليق واحد

  1. زمن جميل … و سيظل
    كعادته أطل علينا الاستاذ جميل بمقال جميل يشيع الترفع ويضيء البقع الأصيلة في مسيرتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock