أفكار ومواقف

وباء كورونا.. معركة الوعي أولا

ليس على مستوى الأردن فقط بل على مستوى العالم كله يثبت اليوم أن الاستهتار وعدم الوعي الحقيقي لدى أغلب البشر هو الخطر الأكبر الذي يهدّد بتوسع انتشار وباء فيروس كورونا وحصد المزيد من الأرواح والتسبب بكوارث بشرية قاسية.
قد يكون السياسيون على المستوى العالمي أيضا يتحملون الذنب الأكبر في عدم خلق مثل هذا الوعي العام بخطورة الوباء عبر استهتارهم وتهربهم من المواجهة لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو حتى نوعا من «التياسة» كما في حالة الرئيس الأميركي ترامب الذي كان يسخر من تحذيرات العلماء والخبراء على هذا الصعيد، قبل أن يكتشف أن الأمر جدّ خطير ولا تستقيم معه ألعابه السياسية وحماقته الهوجاء.
العالم اليوم بات أمام معطيات محددة وواضحة فيما يخص فيروس كورونا وآفاق انتشاره؛ وأي مواجهة معه يجب أن تنطلق من الوعي بهذه المعطيات والتصرف على أساسها فرديا وجماعيا، ليس لإنهاء الوباء بل للحد من انتشاره وآثاره المدمرة على الصحة العامة إلى حين التمكن من اكتمال اكتشاف العلاجات واللقاحات له.
أولى هذه المعطيات والمحددات أن الفيروس اجتاح معظم دول ومناطق العالم وأن أي مجتمع لم يعد بمعزل عن أخطاره، وثانيها أن اكتشاف العلاج واللقاحات لهذا المرض ليس بمتناول اليد قبل عدة أشهر ما يعني أن الوقاية هي الخيار الوحيد لمواجهة انتشاره حتى الآن. وثالثها أن المشكلة الرئيسة مع هذا الوباء هي في سرعة انتشاره وسهولة هذا الانتشار عبر الملامسة والرذاذ، أي أن المخالطة والتجمعات بيئة مناسبة لنشره واسعا.
رابعها وأخطرها أن سرعة انتشار المرض وسهولة انتقال العدوى يتسبب بارتفاع كبير في عدد الإصابات والمرضى الأمر الذي يتسبب برفع الضغوط على النظام الصحي، خاصة العلاجي، لأي دولة بصورة كبيرة لا تستطيع مجاراتها ويكاد يستحيل معها تقديم الخدمة العلاجية المناسبة للآلاف وعشرات الآلاف من المصابين، وإيطاليا اليوم باتت نموذجا واضحا لازدياد الضغوط على نظامها الصحي إلى درجة الانهيار وعدم القدرة على مجاراة توسع انتشار المرض.
سقوط الأنظمة الصحية للدول وفشلها في مجاراة سعة انتشار الوباء، رغم حقيقة انخفاض معدل الوفيات بالكورونا والقدرة على تخفيض أعراضه وآثاره وصولا للشفاء في أغلب الحالات، هو التحدي والخطر الأكبر الذي دفع معظم دول العالم اليوم إلى الاستنفار وفرض إجراءات مشددة على السفر والتجمعات والدراسة.
أغلب الحكومات تجاوزت اليوم مرحلة التهوين وعدم إثارة الهلع بين الناس إلى مرحلة الرسائل الصادمة ورفع مستوى التحذير لخلق وعي جديد بخطورة المرض، ليس المرض بحد ذاته بقدر خطر انتشاره وارتفاع أعداد المصابين به وبالتالي ضرب قدرة الأنظمة الصحية على مواجهته. وإذا كان معدل الشفاء من المرض اليوم يعد مرتفعا ويصل إلى أكثر من 95 % فإن تزايد أعداد المصابين إلى الآلاف وعشرات الآلاف بالدولة الواحدة سيهبط بنسبة الشفاء لعدم القدرة على توفير العلاجات والرعاية الصحية لكل محتاجيها!
بعد كل ذلك؛ هل المطلوب التسليم بخسارة البشرية للمعركة ضد هذا الوباء؟! بلا شك لا، لكن الوعي الصحيح على المستوى الفردي والجماعي بهذه المعطيات والحقائق هو المدخل للمواجهة والتقليل من الخسائر البشرية. المواجهة اليوم وميدان المعركة الأساسي للدول والمجتمعات هو الحد من انتشار المرض وتقليل الإصابات به عبر التنفيذ الدقيق والصارم لاستراتيجيات الوقاية والعزل وخفض مجالات الاختلاط في الأماكن العامة والالتزام بالتعليمات الصحية الرسمية.
الأخطر من الوباء ذاته هو الاستهتار به وبطرق العدوى منه، وعدم الوعي الحقيقي بكيفية الحد من انتشاره والامتناع عن تغيير العادات والسلوكيات اليومية التي بات ينفذ منها هذا الفيروس وينتشر عبرها. المطلوب اعتماد الاستراتيجية الصينية الفاعلة في محاصرة العدوى بالكورونا والحزم بمواجهته وتجنب الوقوع في أخطاء النموذجين الإيطالي والإيراني بالاستهتار تجاه المرض ببداياته وعدم الحزم بسياسات العزل المنزلي ووقف التجمعات والمخالطات بالأماكن العامة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock