فكر وأديان

“وبالحق أنزلناه وبالحق نزل”

د. محمد المجالي

عظم الله سبحانه شأن القرآن أيما تعظيم، فهو كلامه سبحانه الأزلي، شاء سبحانه أن يكون معجزة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، فكل نبي أيده الله بمعجزة حسّية، علامة على صدقه في دعوته لقومه، وهي من جنس ما اشتُهروا به، كي يصلح التحدي ويكون للمعجزة شأنها الأدعى إلى الإقناع وإقامة الحجة، ولكن كان القرآن وحيا يتلى ليبقى، فهو معجزة مستمرة إلى ما شاء الله، بل ما يزال الناس يكتشفون مكنوناته، فلن ينضب معينه، ولن يخْلق على كثرة الرد، ولن تنقضي عجائبه، ولن يشبع منه العلماء، لو كان البحر مدادا لمعانيه لنفد البحر قبل أن تنفد.
وهذه الآية من سورة الإسراء، سورة بني إسرائيل في اسمها الثاني، وهي أكثر سورة ورد فيها ذكر القرآن، والإسراء وإن كان معروفا بتلك الرحلة التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، إلا أننا نستشعر أن كل مسلم بتفكره في آيات القرآن يرتقي به ويجول في الكون كله، فالقرآن للمسلم ارتقاء وتحليق وعلو شأن ومناجاة، يسمو به، ويعانق به النجوم بعلو همته، كيف لا وهو يتلو كلام الله تقدست أسماؤه، يستشعر من خلال هذا الكلام عظمته سبحانه وقدرته ورحمته.
وكونها سورة بني إسرائيل: فما ذكره الله تعالى من قصتهم في أول السورة وآخرها، ففي البداية حيث ذكر إفساديْ بني إسرائيل، وفي آخرها بينان لما يجري من أجل جمعهم لفيفا والقضاء على إفسادهم الثاني والأخير، وأول موضع ذكره الله تعالى عن القرآن هو: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا”، جاءت عقب الحديث عن إفساديْ بني إسرائيل، وكأنها تقول إن الذي ينهي إفساديْ بني إسرائيل وعلوَّهم الكبير هم أهل هذا القرآن لا غير.
أما آخر موضع لذكر القرآن في السورة فهو مع هذه الآية عنوان المقال: “وبالحق أنزلناه وبالحق نزل، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا. وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، ونزّلناه تنزيلا”، حيث يخبر الله تعالى عن هذا الكتاب بأنه أنزله بالحق، بكل ما يحتويه من هدايات وتشريعات وتوجيهات، فهو كله حق، وكذلك نزل بالحق من لدنه لا تشوبه شائبه: “نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين”، تكفّل الله تعالى بحفظه: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، بينما وَكَل حفظ الكتب الأخرى إلى أهلها: “بما استُحْفِظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء”، فهو يعلم سبحانه أن تلك الرسائل مؤقتة، ولأقوام محددة، بينما القرآن دائم، ورسالة الإسلام للعالمين، قال تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وقال: “تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا”، وهذه الآية نفسها التي تخبر عن إنزال القرآن بالحق تختتم بقوله تعالى: “وما أرسلناك إلا مبشّرا ونذيرا”، ويتبعها الله بكيفية إنزال هذا القرآن، حيث نزل مفرقا خلال مدة بعثته صلى الله عليه وسلم، والمقصد أن يقرأه النبي على مكث وتدرج ومهل، وفي هذا من الرعاية والتربية والبلوغ إلى المقصد الأسمى ما فيه، كيف لا وهي آخر الأمم، هيأها الله تعالى لما لم يهيئ له أي أمة أخرى، وحري بكل مسلم أن يعرف هذا عن دينه ونبيه وقرآنه.
شأن القرآن كله حق، الحق الذي لا مرية فيه، فكل ما جاء فيه حق، أدركنا ذلك أم قصرت عقولنا عن إدراكه، أقول هذا وقد كثر الناعقون المنتقدون لأحكامه، ليس من أعداء الدين الواضحين فشأنهم معهود متوَقَّع، ولكن أن يخرج من هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ليصفوا أخبار القرآن بأنها أوهام أو خيال أو متخلفة أو غير منطقية، وليت في كلامهم شيئا من المنطق والحكمة، هي مجرد أهواء وجريا مع عادة (خالِف تُعْرَف)، ولو ركّز أحدهم جزءا من تفكيره في هذا الكتاب، لعلم أنه لا يمكن أن يكون كلام بشر، وبذا فهو رسالة ربانية، وهداية شاملة، لا مجرد كتاب يُتْلى. شهد بذلك أعداؤنا قبل غيرهم، فقريش التي كانت تتمنى أي خطأ أو ثغرة على القرآن، ما كان من شأن أهلها إلا أن أقروا في أنفسهم أنه حق، تراهم ينسلّون ليلا خلسة إلى بيت محمد صلى الله عليه وسلم يستمعون لقراءته، فقد أطربهم هذا الكلام وسحر عقولهم، وما سجّل التاريخ أي اعتراض على أي شيء منه، بل الأيام تعزز معجزته كل حين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock