أفكار ومواقف

وتذنبون فنأتيكم فنعتذر

كلما جاء رئيس أميركي جديد إلى البيت الأبيض، تطلع الضحايا واليتامى والحزانى الفلسطينيون والعرب إليه، آملين أن يكون أفضل ممن سبقه. فيأتي من يذكرهم بأن الرئيس في بداية ولايته، وأنه يدرس الملفات، فلا يستطيع عمل شيء. فينتظرون، ليفاجأوا أن الرئيس الجديد -وكما هي العادة- يزايد على جميع الرؤساء السابقين إسرائيلياً، فيتبنى سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين والعرب ويبصم بالعشرة عليها. عندئذ يصاب الضحايا واليتامى والحزانى الفلسطينيون والعرب بخيبة أمل جديدة، آملين بكثير من الاتصالات والوساطات والتوسلات وقليل من الفلسطينيات والعربيات أن يشتد عود الرئيس في نهاية ولايته الثانية، أي يوم لا يكون بحاجة إلى إعادة انتخابه. لكن يأتي من يذكرهم بأن الرئيس في نهاية ولايته يصبح كالبطة العرجاء لا يستطيع عمل شيء، بما يهدد فرص حزبه في الانتخابات إذا ضغط على إسرائيل.
وهكذا “تتكرر” الحكاية مع كل رئيس أميركي جديد. ومع هذا، يصر الضحايا واليتامى والحزانى الفلسطينيون والعرب على الركض وراء السراب الأميركي، لأن الركض وراء هذا السراب أفضل من التفكير أو البحث عن خيار آخر لا يريدونه ولا يطيقونه.
***
كل العالم غير العربي يعرف أن لدى العرب أكثر من خيار، وأن خيار التضامن العربي (قلباً وقالباً) يكفي للذود عن الحمى؛ فعندئذ ماذا بقدرة إسرائيل أو أميركا أن تفعل؟ هل كانت تستطيع احتلال العراق وتدميره وإزالته لو لم يقدم لها العرب البر والبحر والجو لاحتلاله، بخاصة وأن بلداناً (مجاورة) أخرى غير عربية لم تتبرع بذلك؟ لقد تنافس أعداء ذاتهم على استقبال الأميركي لتصفية القطر أو القوة التي كانت تحميهم إقليمياً، ومكنوا دولة بلا تاريخ من تدمير أعرق دوله في التاريخ. وها هم الآن ميتون من الخوف من تداعيات ما جنته أيديهم عليهم.
***
والحقيقة أن الأمة العربية الواحدة (المتحدة) غير موجودة، وإنما هي أمة افتراضية، أي مجرد أمة متخيلة. والدول العربية مجرد أشباح أو خيالات لها لا يخشاها طير ولا يخاف منها ثعلب. لقد كانت قبل “الربيع العربي” أضعف أمة ودولاً في هذا العالم وأدناها كرامة ومنزلة، وإلا لماذا استقبلت سفاحاً دمر شعباً من شعوبها وأزال بلده ومدارسه وجامعاته وعلماءه وذاكرته وحضارته، في عواصمها؟ كيف استقبلته وتعاملت معه واحتضنته؟ لقد قتل أكثر من مليون عراقي، ورمّل أكثر من مليون امرأة ويتّم ملايين الأطفال وحرمهم من التعليم والحياة الكريمة.
هل كان اليهود يستقبلون في تل أبيب هتلر الأول لو زارهم، استقبال الأبطال كما استقبل العرب هتلر الثاني؟ لقد كان مثل العرب من بوش الابن مثل الذي يقول:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
***
لم تبق قضية لأمة أو لشعب في هذا العالم من دون تسوية عادلة، سوى قضية العرب الأولى العادلة. ولم تبق أمة من دون مكان لائق لها تحت الشمس سوى أمة العرب. هل نحن في عصر دول الطوائف الثاني؟ لقد استمر عصر الطوائف الأول في السقوط نحو أربعة قرون من دون أن تدري دولهُ، وها هي دول الطوائف العربية اليوم تكرر كارثة الأمس من دون أن تدري، لإحساسها الزائف بالنهضة والعمران وأن كل شيء على ما يرام. لقد توقعنا أن يغسل “الربيع العربي” في النهاية هذا الوضع العربي الكئيب وينظفه مما علق به من أوساخ على مر التاريخ، أم سيزيده اتساخاً؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock