أفكار ومواقف

“وتعطلت لغة الكلام..” صمت النخبة؟

تذكرني جلسة مجلس النواب العاصفة حول موضوع بيع أراضي الدولة بجلسة مثيلة للمجلس السابق يوم تشكيل حكومة عدنان بدران. فما قيل من كلام كبير حول “الدستورية” سياسة واقتصادا لو طبق بعضه لقطعنا شوطا بعيدا في الإصلاح بمعناه الشامل. والحاصل أن الكلام كبر أم صغر لا يؤخذ من النواب بجدية. فدورهم الذي عرفته الحكومات منذ العام1993 لم يتجاوز “المعارضة الصوتية” تنخفض وترتفع حسب الحاجة محليا وأحيانا خارجيا.


عاشت البلاد بلا مجلس نيابي، لكن لغة السياسة متداولة عبر شخصيات وطنية وأحزاب محظورة ونقابات ونشطاء. اليوم تعطلت لغة الكلام السياسي وحل مكانها ضجيج مزعج أو تناج وغيبة ونميمة. لا يقبل من سياسي أن يطرم آذان الناس بصوت عال ثم يقطع الصلة بما قاله في نوبة صرع. ويرفض بالقدر ذاته أن يتحدث سياسي عريق همسا وهو يتلفت حوله في تناج بين اثنين أو غيبة ونميمة بين ثلاثة.


لسنا في بلد شمولي حتى يقال إن من يقررون هم من يدركون المصلحة العامة، ولا يحق لأحد الاعتراض عليهم لأنه لا يعرف ما يعرفون. نحن في بلد يعتبر رقم واحد عالميا في إنتاج “الوظائف السياسية”، فمتوسط أعمار الحكومات يقل عن عام وبعض الوزارت لا تكمل نصف عام. ولذا لا يحق لأحد أن يدعي أنه يعرف أكثر من غيره. وفوق ذلك نحن البلد رقم واحد في التواصل الاجتماعي المباشر، تعرف الناس المسؤول وتعرف آباءه وأجداده وأنجاله وأحفاده وخصومه وأصدقاءه.


في مجتمع كهذا يغدو الصمت مريبا إن لم يكن جريمة. على من يعتبرون أنفسهم “نخبة سياسية” أو “قادة رأي” أن يعلنوا مواقفهم بلا مواربة. يتسع مفهوم النخبة ليشمل رؤساء وزارت ووزراء ونوابا وأعيانا وحزبيين ونقابيين ومثقفين..أي من لهم صلة بالشأن العام.


عليهم أن يقولوا إنهم مع سياسة التخاصية العمياء، وأنها قدر لا فكاك منه، تتساوى فيها الجامعات والمستشفيات تماما مثل الفنادق وشركات الاتصال. عليهم أن يقولوا إنهم مع السياسة الاقتصادية القائمة على “الاقتصاد الموازي” البعيد عن الشفافية والرقابة، المنعزل في جزر، لا علاقة له بولاية الحكومة العامة.


لا مبالغة في ذلك، فالصفقات الأخيرة التي بحثتها جلسة مجلس النواب العاصفة كانت نموذجا حرفيا للتخاصية العمياء. هل يعقل أن تجري أكبر علميات بيع في تاريخ البلاد بعيدا عن الولاية العامة للحكومة ومجلس النواب معا؟ هل يجوز أن تمنح رخصة الكازينو وتسحب من دون علم حتى الصحافة؟


للنهج هذا أنصاره، وهم يتكاثرون بقوة الصمت. ففي ظل عدم الاعتراض يندفعون في تهور يحسبون أن الناس مبهورة بعبقريتهم. والواقع أن ما تؤكده استطلاعات الرأي وما يشاهد في ظل التواصل الاجتماعي المباشر أن هذا النهج معزول، حتى في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب الموالي للحكومة. وفي نفوس الناس غضب وسخط ومرارة وهم لا يجدون من يسمع صوتهم أو يتبنى مواقفهم.


وهؤلاء الناس، كما أثبت تقرير البنك الدولي الأخير، هم أكثر الشعوب العربية تعليما خلال الأربعين سنة الماضية. واعتراضهم ليس أعمى. يعرفون مدى الصعوبات الاقتصادية ويتابعون ارتفاع أسعار النفط عالميا، ولا يطلبون المستحيل. كل ما يريدونه هو حقوقهم الدستورية، التي تجعلهم شركاء أصليين في شؤونهم العامة. شركاء في الغرم الكثير والغنم اليسير. فإن ضاقت تضيق على الجميع وإن فرجت تفرج على الجميع. أما أن يشاهدوا من يعملون في الدولة بعقود خرافية ولا يجد أبناؤهم فرص عمل في الدرجة الرابعة فهذا ما لايقبلونه.وفي وقت تتكاثر فيه التكاسي المميزة لا يجد سائق الشاحنة ما يغطي كلفة النقل من عمان إلى العقبة وفي وقت..؟


على النخبة السياسية وقادة الرأي أن يحددوا مواقفهم بشجاعة، حتى لو كانت مع التخاصية العمياء! فالصمت لا يولد غير الغضب الأعمى.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بدنا معلومات مش لطم!
    يا سيد أبوهلالة جرى كشف هذه العقود وتراجعت عنها الحكومة ولم يسجن أحد أو يقمع أحد، أكان صحفياً أم نائباً أم ناشطاً، بما فيهم حضرتك. المتوقع منك كصحفي أن تكشف هذه المخالفات والمبادرات المشبوهة بدلاً من إضاعة طاقتك بهذا الحديث العام. المثير للانتباه أنك لم تكن سباقاً إلى كشف أي من هذه المخالفات أو الشبهات. نريد أرقام وأمثلة ومعلومات وأسماء… يعني زي ما بيعمل الصحفي سيمور هيرش.

  2. الأمور أكبر
    أخي أ. ياسر
    بوركت على مقالاتك الرائعة.
    لقد أسمعت لو ناديت حيا
    ولكن لا حياة لمن تنادي
    الموضوع أكبر بكثير مما تتصور وأظنك تعرف ذلك ولكن مسئوليتك المهنية تأبى عليك أن تبوح بالحقائق المرّة.
    إنه استعداد للحل النهائي لمشكلات المنطقة،هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى تشابك المسئوليات والمصالح والقرارات في الوطن، فكما تعلم هناك ثلاث حكومات تحكمه، . والمشكلة في الحكومة الظاهرة أنها متوترة من تأثير حكومتي النبط والربط، وينسحب الأمر على مجلس النواب الموالي للحكومات الثلاث، فهو مجلس مسلوب الارادة معطل التفكير إلا من هامش ضيق من التهويش لحفظ ماء الوجه أو للسترة له وللحكومات الثلاث أن لا ينكشف أمرها. فلا غرابة من تكميم الأفواه وصمت الأغلبية المنتمية للوطن وحتى نقاباته وأحزابه التي يشهر في وجهها قوانين وقرارات تحد من نشاطها أو تقيدها أو تلاحقها.
    والأهم من كل ذلك أخي أ. ياسر أننا لا بد أن نعترف أننا لسنا دولة مؤسسات ولا شفافية ولا ديمقراطية، هذا هو الأساس الذي لا غرابة بعده أن نتصور كل ما يجري في وطننا
    حمى الله الأردن من الفاسدين .

  3. الحصاد المر
    ان ما يجري وما سيجري مستقبلا(وهو برأيي اكثر خطورة) هو الحصاد لما زرعه النظام الامني والتربوي والسياسي، ما يجري هو حصاد مر سندفع نحن ثمنه وقد تدفعه اجيال لاحقة لنا، لان موارد الدولة المحدودة كانت تتحمل فسادا محدودا عندما كان عدد السكان قليلا ، اما الان فان هذه الموارد المحدودة غير قادرة على اشباع نهم الرأسماليين الجدد الين لا يرون في الاردن الا سوقا او بقرة حلوبا ولا ينظرون للاردنيين الا على انهم مستهلكون ودافعوا ضرائب لا على انهم مواطنون متساوون امام القانون لهم حقوق وعليهم واجبات.ان انتشار مبدأ الواسطه والمحسوبية والشلليه وان من لا ظهر له يضرب على بطنه هو مبدأ ينشره بعض المستفيدين من اصحاب المصالح الذين يتقنون فن مص دم الناس اكثر من اتقانهم فنون القيادة والادارة، ان سكوت المواطن الاردني ممثلا بمجلس النواب عن جرائم كبيرة وخطيرة تتعلق بالمال العام والمحاباة والمجاملة والرضوخ للضغوطات هو اكبر عدو للوطن ، فلو عرف الفاسد ان يده ستقطع اذا ما مدها ليسرق قرشا من مال الناس يبني به بيتا او يشتري به سيارة او يضيفه لرصيده قي البنك او يسافر به للسياحه والعلاج او يضارب به في البورصه او حتى يشتري به هدية لصديقته، بينما غيره لا يجد ثمن الرغيف او حبة الدواء /اذا ما عرف هذا الفاسد ان الناس لن تسكت عليه فلن يجروء ان يقوم بفعلته واذا تجرأ وعملها فستكون في السر ، … ان هذه الثقافة هي معول هدم في جسد الوطن وهي تنبىء بان المستقبل اسود (وانا هنا لست متشائما)، ان بناء امبراطوريات ماليه واقطاعات اقتصاديه للبعض المتنفذ والمستفيد على حساب الغالبيه المطحونه، دون وجه حق بل اعتباطا وزروا وبهتانا، هو الاساس في انتشار ثقافة الخوف والترويج لها ليبقى الوضع على ما هو عليه. ان الارتقاء بمجلس النواب واداء النواب ليصبح مجلسا حقيقا يسأل ويحاسب يضع قوانين للمجتمع وللمصلحه العامةهو اساس مهم للبدء بالموازاة مع نظم تعليميه متطوره تخرج اجيالا تواكب العصر وتتمسك بدينها ، ونظم صحيه فاعلة يأخذ فيها المواطن حقه في العلاج بلا مجاباة ولا مجاملة ولا منه، بالاضافه الى تحديث يطال بنى المجتمع والخدمات فيه.ما تنتقده يا اخ ياسر هو حصاد مر لاجيال نشأت في السبعينيات والثمانينيات ، اما حصاد من نشْْؤوا في التسعينيات وهذه الالفيه فلم يحن موعد قطافه حتى الان وانتظر وسترى انه اكثر مرارة مما نتباكى عليه الان.لانك لا تتوقع ابداعاولا اخلاصا ولا شفافيه ممن نجح في المدرسة بالواسطه وبسرقه الامتحانات ، ودخل الجامعه بالواسطه ، ونجح فيها بالواسطه ، وذهب بعثه بالواسطه، وعاد واشتغل بالواسطه، وتسلم مناصب كثيرة بالواسطه.فهو نفسه سيدرب اولاده ويعلمهم بنفس الطريقه الملتويه، وبهذه الطريقه يكون اخذ حق انسان اخر هو اكثر كفاءة واجدر منه لمجرد ان الاخر الغلبان لا واسطة عنده/ مما بدفعه ليسلك كل الطرق المشروعه وغير المشروعه ليحسن ظروف حياته وهنا بداية الخلل…. وسلامتكم

  4. رد على د. حسين المجالي
    شكرا للسيد ابو هلاله على مقالك الجميل , وشكرا للدكتور المجالي على التعليق , ولكنني اضيف , انه يجب علينا ان لا نلوم الحكومات او رؤسائها , ولكن يجب علينا ان نلوم انفسنا اولا , واقصد المواطنيين, فنحن الذين افرزنا مجلس نواب ضعيف , ونحن الذين نتصارع مع بعضنا البعض لتوزيع المناصب على مدنناوقبائلنا ومناطقنا . فلا يملك احد فينا الجرأه على نقد ابن مدينته او عشيرته مع علمه اليقين بفساده . وأول سؤال نقوم بسؤاله عند تشكيل حكومه جديده , كم عدد الوزراء من مدينتي ؟ولا نسال عن تاريخ هذا الشخص وانجازاته , وهل يستحق او سينجز شئ .
    فالحكومات اصبحت حكومات مظاهر وليست حكومات اعمال وانجاز ,فهي مقيدة بالاعراف من ناحيه وتفتقد الكفاءة المطلوبه من ناحيه اخرى , الامر الذي يحتم وجود حكومات اخرى تعمل بالخفاء للقيام باعمال الحكومة الاصليه .فالاصلاح والديقراطية تبدأ من القاعدة , ونحن بعيدين جدا عن ذلك.

  5. لماذا لا نسمي الامور بمسمياتها؟
    الاستاذياسر ابو هلاله و الاستاذ ايمن الصفدي كتبوا اليوم بنفس الموضوع تقريبا وهذا دلالة على الاهمية. اظن وليس كل الظن اثم ان المواطن والمسؤول بحاجة الى المزيد من التوضيح و انا شخصيا ادرك حساسية الموضوع ولكن ما الضير في تسمية من من المسؤلين نواب او وزراء مع ما اسميته التخاصية العمياء ومن ضدهاليس من باب التشهير ولكن من باب تشكل رأي عام وطني واخذ قرارات مصيرية يشارك بها كل مهتم وتعرض وجة النظر و وجهة النظر الاخرى وتشبع نقاش, لم يعد الهمس والتخبي وراء حجج واعذار واهية مقبول كما انه لم يعد كيل الاتهامات والتباكي على ولاية الحكومة مقبول ايضا. و ما هو البديل غير الطريق الثالث لان هذا مصطلح جديد وبحاجة الى تحديد وملىء واجراءات واضحة ودراسة مخاطر متوقعة. المهم ان نعترف ان المستقبل لم يعد ما عهدناه سابقا, فمستقبل بلادنا يجب ان نشكلة كلكنا بروح من المسؤولية وبعيد عن التخوين والكولسات والتشيك. التحديات اكبر من الاختلافات والكل معني بتشكيل المستقبل حتى ندرك بعض ملامحه و لا نتفجاء كليا به.

  6. ماذا نقول
    لا نقول الا كما قال شاعر
    يا امة قد ضحكت من جهلها الامم.
    الكتابه بمداد القلب ولبقايا الشرفاء امر جد عسير وصعب.
    امر عسير ان تخاطب اخر الفرسان واخر حراس المعبد.
    الغيب كل العيب ان تتهاوى كل القلاع و ان لا يبقى حصن منيع بالنهايه.

  7. عن أي نواب نتحدث
    معظم من ذكرتهم من نواب ووزراء وأعيان، أبعد ما يكونوا عن الشأن العام، لذي يلمس حياة المواطن، كل همهم منصب على اختيار وضع ممتع في الجلوس على الكرسي، والسعي للتشبث فيه.
    أما الزوبعات الكلامية التي تنطلق من البعض فما هي إلا ديكور وتزيين تتطلبه كل قضية تحتاج لمعارضة أو لا تلقى رضا الشعب.
    إن آخر ما يأمله المواطن أن يرتجي من مجلس النواب خيرا، فهم النيام الفائزون، لا هم لهم إلا أنفسهم، وغيرهم من المسؤولين ليسوا بالأحسن حالا.
    الملاذ الوحيد للمواطن العادي -أمثالنا- عندما تثار قضية عامة في البلد، هو الصحفي الشريف، وخصوصا كتاب المقالات القلة، الذين يتكلمون بهم المواطن ويشفون غليله ولو بالكلام فقط.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock