أفكار ومواقف

وداعا أوروبا

يركز الإرهابيون ضرباتهم في قلب أوروبا؛ فرنسا وألمانيا، ومن قبل بلجيكا. ولهذا الخيار معناه ودلالاته؛ فما يتكون من انطباعات وتوجهات في البلدين الكبيرين، سرعان ما ينسحب على أوروبا كلها.
هناك في باريس وبرلين، ستتقرر خيارات الأوروبيين حيال العلاقة مع عالمنا العربي والإسلامي في المستقبل، وعلى وقع الهجمات الإرهابية المستمرة في كل الأرجاء، سترسم خطوط العلاقة؛ فكيف تكون؟
تخوض النخب الثقافية والسياسية في كل أوروبا نقاشات ساخنة حول ما يجري في بلدانهم من متغيرات، دفعت ببلد مثل فرنسا إلى العمل بأحكام الطوارئ لمواجهة هجمات الإرهابيين “الإسلاميين” الدامية.
ألمانيا ليست بعيدة عن تبني الخيار الفرنسي، فقد اختبرته لفترة قصيرة في مدينة ميونخ.
لكن حالة الاستنفار الأمني ستغدو بعد حين أقل ما يمكن توقعه من ردات فعل تختمر في المجتمعات الأوروبية على ما حل بها من مصائب.
حتى وقت قريب، كان صعود التيارات اليمينية أكبر تحد يواجه الأوروبيين. لكن الهجمات الإرهابية الأخيرة قلبت المزاج الأوروبي، فأصبحت الحرب على الإرهاب همهم الأول.
مثل هذا التحول فرصة تاريخية للقوى اليمينية لكسب أوساط شعبية واسعة إلى صفوفها، في وقت باتت معه التيارات اليسارية والديمقراطية عاجزة عن دحض خطاب اليمين، أو تطوير خطاب يستجيب لحالة الخوف والهلع التي تجتاح الرأي العام الأوروبي.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، رائدة سياسة الهجرة، وجدت نفسها في موقف دفاعي في مواجهة هجوم اليمين العنصري على سياساتها. وقريبا، ستضطر لمراجعة خطتها بشأن استقبال اللاجئين، وإعادة النظر في الوضع القانوني للمقيمين في ألمانيا، خاصة بعد العملية الإرهابية الأخيرة التي نفذها لاجئ سوري وصل حديثا لألمانيا، ومن قبله الفتى الأفغاني الذي انهال على ركاب القطار بالفأس.
لن تصمد سياسة الأبواب المفتوحة لألمانيا. وأكثر من ذلك، يتعين على ألمانيا التفكير بمصير مئات الآلاف من اللاجئين على أراضيها.
لن يعود سهلا على الألمان الوقوف بوجه حركة “بيغيدا” المتطرفة. مسيراتها ستكسب مزيدا من الأنصار.
فرنسا تبدو في حالة شلل تحت وقع الهجمات المتتالية. الرئيس الفرنسي يحاول الظهور متماسكا، لكنه في كل إطلالة يقف أمام الكاميرات مخطوفا وقليل الحيلة.
يقاوم المجتمع الفرنسي ضغوط اليمين الصاعد. لكن نخبه الحية تقف عاجزة أمام منطق ماري لوبان التي تحولت في نظر بعض الفرنسيين سيدة حكيمة، تدافع بشراسة عن قيم الجمهورية.
ربما لا تملك فرصة لدخول الإليزيه، لكن أيا يكن ساكن القصر فإن عليه أن يتصرف في مسألة اللاجئين والمهاجرين بمنطق يشبه إلى حد كبير منطق لوبان.
ستدخل أوروبا كلها قريبا مرحلة المراجعة. لن تبقى ساكنة وهي تتلقى الضربات. وخلال فترة وجيزة، ستطور مقاربات جديدة حيال شرقنا الدامي، ومبعثها قناعة قيد التشكل؛ هذه المنطقة لن تنعم بالاستقرار يوما، وستبقى مصدرا للمتاعب، ومنهلاً للإرهابيين الكارهين للآخر.
لن يكون لنا مكان في مجتمعاتهم. لقد قضى الإرهابيون على فرص الاندماج، وسقطت نظرية المجتمعات العالمية، بسبب أفعالهم.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. "اوربا اليوم والأمس"
    بداية استاذ فهد شرحت واسهبت واجدت وصفا وعدّدت ايديولجيات التيارات السياسية التي تنعم بها اوروبا ومنذ نشأتها ولكنك ولجت بحكم اضطرادي لما يريده اليمين المتطرف في اوروبا لتصل الى جلد الذات معمّما "لامكان لنا في مجتمعاتهم وسؤالي المشروع ايهمّا اقدم في المجتمعات الأوربية الأحزاب اليمينية المتطرفة الرافضة لسياسة حكوماتها من خلال النزعة القومية الإستعلائية والتطرف الديني(في المانيا على سبيل المثال اذا سألت الماني لماذا لا تتكلم الإنجليزية يجيب لماذا الإنكليزي لا يتكلم الألمانية ) ام تلك الفئة الشاذة التي قامت بتلك الأعمال المريعة ناهيك انها حصيلة تربية تلك المجتمعات ؟؟ ؟؟ اليس من الجائز ان ذاك التيّار هو من خلق صراع المعايير مع تلك الفئة مما دفعها لمثل ذلك وحتى لايقرا تساؤلنا من باب التاييد ونظرية المؤامرة ؟؟ ومن خلال دراسات خبراء متخصصين بعلم الجريمة والعنف المجتمعي وجدوا ان الولايات المتحدة الأمريكية هي الأعلى نسبة في العالم ولا زالت معلّلين الأسباب لتعدد الأعراق وصدام المعايير مع مكنوناتها؟؟وما زاد الطين بلّة (صراع المعايير) ما اعلنته المانيا نحو عدم قبول اللجوء السوري كما في السابق مستثنية (المثليين) احلال على الأطفال ان تكون قبورهم مياه البحار وحرام في ظل الإنسانية وحقوقها ان يطال المثليين البلل) وها هو اليوم وزير داخلية المانيا يعمم بمحاربة الإسلام بحجة مكافحة الإرهاب ؟؟؟

  2. ارهاب الاغبياء الوحشي يدفع ثمنه الجاليات العربية في دول ترعاهم
    الا يوجد ماكر خبيث يقود تلك الجماعات الارهابية الغبية، الموغلة في سفك الدم وأعمال التخريب؟
    تجد ان الخاسر دائما بسبب تلك الاعمال الوحشية (التي تصدر عن مجانين مسلحين) هم العرب والمسلمون، سواء في دولهم وعلى ارض بلادهم أو خارجها..
    كذلك نجد ان الرابح دائما من الارهابيين التكفيريين هو العدو المحتل، ومعه المتطرفين (في اوروبا وغيرها من الدول المتحضرة) الذين كانوا مرضا ووباء يقلق شعوبهم وحكوماتهم بسبب عنصريتهم وتطرفهم، فاذا بالارهاب الاوسطي المكتشف يقلب صورتهم الى وطنيين طيبين يريدون السلام ويحذرون من الاجانب الاشرار.
    يقلقني وضع الجاليات العربية التي تدفعها اعمال الارهاب الدموي إلى موقف الدفاع عن النفس، وتجعلها تعمل بصبر لا ينفد، من أجل اقناع الشعوب التي تعيش في احضانها، بأن الاسلام بريء وأن العرب أول ضحايا الارهاب الجديد الذي لم نكن نعرفه، وادخل علينا ووجد من الجاهلين الحمقى من يتباهى به، وينسب لنفسه اي عمل احمق يقع في العالم.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock