فكر وأديان

“ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم”

د. محمد المجالي

هي آية عظيمة في سورة البقرة، تصرح كما القرآن، وكما هي عدة آيات في السياق نفسه، بحقيقة بعض أهل الكتاب، بل كثير منهم، الذين عرفوا الحق، وتيقنوا من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، من خلال سلوكه وأخلاقه، أو من خلال معجزته التي أيده الله تعالى بها، فاستسلموا لها في قرارة أنفسهم، ولكن تكبرت نفوسهم، واستعلت إرادتهم عن قبول الحق، فظلموا أنفسهم ومن اتبعهم من الغوغاء، فضلوا وأضلوا، وإلا فحال الإنسان المجرد من الهوى والعبودية أن يبحث عن الحقيقة ليتبعها، بينما هؤلاء وغيرهم من أعداء الأنبياء على مر التاريخ قد ثبت الحق عندهم كما يعرف الأب أبناءه، ولكن: “جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا”.
سياق الآية في سورة البقرة عن بني إسرائيل، وذكر الله مع هذه الآية قوله: “ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون”، وقوله: “ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزّل عليكم من خير من ربكم”، ثم جاءت آية النسخ: “ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها..”، وفيها دلالة عامة على نسخ الشرائع لبعضها، بعدها مباشرة جاء قوله تعالى: “ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير”.
بعدها يذكر الله مقولة بعض أهل الكتاب: “وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”، فهم يعتقدون واهمين أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، فالجنة لهم وحدهم، ولا شك أن فيها نظرة استعلائية، فيردهم الله إلى الحق بأن الأمر مرتبط باستسلام أي عبد لربه وأحسن، فله أجره عند ربه، وهو أعلم بحقيقته، فدخول الجنة أو النار علمهما عند الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وبعد هذه يذكر الله خلاف اليهود والنصارى التاريخي: “وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون”، فالكتاب بين أيديهم، ومع ذلك يختلفون، ويتبعهم قوم لا يعلمون حقيقة العلم، وهم الغوغاء، فالله هو الحكم بينهم يوم القيامة، وبعد هذه مباشرة، وليست صدفة، يقول الله: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم”، فذكر المساجد هنا مثال على غيظ هؤلاء وحقدهم من الرمز الديني لهذه الأمة، فلا يريدون للمسجد أن يؤدي رسالته، وأن يكون مأوى للعابدين الموحدين، ولعل تسمية المسجد بركن السجود الذي هو علامة الخضوع فيه، حيث المساجد لله وحده، فلا ندعو مع الله أحدا.
بعد هذه بآيات في السياق نفسه، تأتي الآية الأكثر صراحة، حيث يقول تعالى: “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير”، فلا بد من توقع الأذى، ولا بد من الثبات على الحق، فالمحاولات في صد المؤمنين عن دينهم ستبقى، وهو صراع الحق والباطل على مر الزمن، وهي سنة المدافعة التي ينبغي على المؤمنين أن يدركوها. ويزيد الله المؤمنين قناعة بمسلكهم، حين يذكر قصة إبراهيم بعد هذه الآيات، وما دعا به هو وابنه إسماعيل “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم. ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين”.
وعودة إلى الآية عنوان المقالة، فقد ورد في سبب نزولها أن المسلمين لما هُزِموا في غزوة أحد قال بعض اليهود لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر: لو كنتم على الحق ما هُزمتم، فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال لهم عمار: كيف نقض العهد عندكم؟ قالوا: شديدا، قال: فإني قد عاهدت ألا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت، فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله تعالى ربا، وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “قد أصبتما الخير وأفلحتما”.
هو ديدن أعداء هذا الدين، أمنيتهم أن يردونا من بعد إيماننا كفارا، والسبب هو الحسد، وهو تمني زوال النعمة، وحسد اليهود واضح حيث توقعوا أن يكون النبي الخاتم منهم، ولكنه جاء من العرب، فحسدوا أتباع هذا الدين، ولا ننسى أن الآية تدعو إلى العفو والصفح والترفع عن أذى هؤلاء، حتى يكون التمكين للمؤمنين، ولا يجوز أن نعامل الناس جميعا بالمستوى نفسه، فالآية ذكرت كثيرا منهم، ولا شك أن هناك منصفين، ورب ضارة نافعة، فهذا العداء العالمي للإسلام والتخويف منه قد جلب له أتباعا، وحث الغالبية على البحث عن الحقيقة، وهم الآن غير متدينين غالبا، سيقودهم البحث لا محالة إلى الحقيقة، فهو دين الله، والله أكثر غيرة منا على الدين والمسلمين ودمائهم ومساجدهم، ولكنه الاختبار والتذكير لنا بأن نكون على مستوى المسؤولية والوعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock