أخبار محلية

ورقة التوت الغربية

د. محمود عبابنة

لطالما كان الغرب محط إعجاب الكثيرين من العرب والمسلمين – باستثناء طائفة المكفرين للآخر- نظراً للصورة والنموذج المرسوم في مخيلتهم عن تقدم حضارتهم وسمو قيمهم الانسانية بما في ذلك الدفاع عن الحريات الشخصية وعن حقوق المرأة والأطفال وحرية التعبير، وعما ينادون به في جامعاتهم عن حقوق الإنسان والمساواة ونبذ العنصرية.
وإلى حد ما انطلت علينا الحيلة، وما عزز انطلاءها اللطف والتهذيب والالتزام بالنظام وتحقيق العدالة وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التي كنا نلاحظها في مجتمعاتهم، إلا أن التجربة والحياة في الغرب والأحداث الجسيمة التي تضع هذه الدول الغربية على المحك قد أظهرت لنا أن هذه المبادئ السامية مقصورة على مواطني الدول الغربية ذي البشرة البيضاء، وأن هناك تقييماً ومعاملة أخرى لشعوب العالم غير الأوروبية، وتبين أن هناك عنصرية مستترة في العقل الباطن لهذه الأنظمة الغربية تجاه دول العالم الثالث وشعوبه، وأن مقولة الشاعر الإنجليزي روديارد كلنغ الحائز على جائزة نوبل العام 1907 في أوائل القرن العشرين التعاطي بين الشرق والغرب “ الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا ابداً”، هي مقولة مترسخة في الضمير الروحي والثقافي للغرب، يبين لنا أن ما وراء الود والتهذيب السطحي الغربي ما هو إلا وسيلة اضطرارية ومجاملة كاذبة للتعامل مع شعوب العالم الثالث المنكودة، لتسويق منتجاتهم ونهب ثرواتهم والسيطرة على أنظمتهم السياسية بما يخدم مصالح شعوبهم، وبالنسبة للعرب والمسلمين تحديدا فإن الانطباع المخفي لديهم هو أن هؤلاء نشاز الحضارة الإنسانية ويظهر ذلك في رسوماتهم وافلامهم، وأن المصالح والثروات هي ما يربطهم بنا، وإلا لماذا هذا السكوت المريب عن المجازر والمذابح التي ترتكبها دولة الاحتلال على ارض فلسطين، يتحدث الغرب عن مذبحة بوتشا الأوكرانية الملفقة وهم يرون ويسمعون ما يحصل في فلسطين، حيث يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بالاعتداء على المسجد الأقصى في القدس وباقي المدن الفلسطينية بأبشع وسائل القمع والتعذيب ويحتجزون آلاف الأسرى ويهدمون البيوت ويصادرون الأراضي ويعتقلون ويقتلون الأطفال والنساء، ولا نسمع من دول الغرب وبالذات أمريكا مقولة أو تعليقاً يدين دولة الاحتلال وإذا نطقوا فهم يطالبون بضبط النفس أو إدانة رمي الحجارة على جنود الاحتلال!
حرب أوكرانيا فضحت الطابق وأسقطت ورقة التوت الغربية وأظهرت مدى العنصرية الغربية في أعلى درجاتها، ففي غضون شهر من بداية حرب أوكرانيا قام العالم الغربي ولم يقعد وتنافس زعماء أوروبا في سباق محموم على إرسال المساعدات العسكرية والمادية وبلغ الحد بالسماح بالتطوع لحماية أوكرانيا الأوروبية وشعبها ذي البشرة الناصعة البياض، وهم ينددون ليلاً ونهاراً بالقصف الروسي لمناطق عسكرية، في حين اجتمع الغرب كله إبان غزوه للعراق بقصد تدمير بنيته التحتية وإعادة شعبه الى الوراء عشرات السنين، رغم كذبة أسلحة الدمار الشامل، وربما للأسف نجحوا بذلك، ولنتذكر دائماً المقولة الصريحة العدوانية العنصرية لسيئة الذكر والصيت (تاتشر) رئيس وزراء بريطانيا السابقة عندما قالت بخطابها في واشنطن وهي تحشد للحرب على العراق “يجب محاربة الأمم الشريرة”، وفي إحدى مقابلاتها على قناة BBC سألها المُحاور ما هي أغلى هدية تلقيتيها وممن؟ وقد سمعت وشاهدت الجواب بأم عيني إبان إقامتي للدراسة في بريطانيا عندما قالت: “ اغلى هدية كانت مجوهرات من امير عربي وقد سلمتها للجهة الحافظة قبل مغادرتي شارع 10 – دوان ستريت”، وعندما سألها هل قمتي بعد ذلك بإهداءه شيئاً، فأجابت بحماس وبلغة قاطعة، “نعم ، بالطبع” وعاد المحاور سؤاله لها بماذا أهديتيه؟ فأجابت بثقة وافتخار “ أعطيته صورتي ملونة ووقعت خلف الصورة” !، أغلب الظن أن الأمير العربي وضع الصورة في برواز فاخر وقام بتعليقها في غرفة النوم.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock