أفكار ومواقف

وسائل التواصل الاجتماعي وسوء الاستخدام

لقد أدخلت الشبكة العنكبوتية أو الإنترنت العالم في عصر جديد فريد لا مثيل له في التاريخ. إنه العصر الرقمي أو الإلكتروني القائم على الكمبيوتر ومشتقاته في الاتصال والتواصل. ولكن كثيراً من الناس في مختلف البلدان للأسف وسوء الخلف وفساد العلف يسيئون استخدامهما أو يستغلونهما لغير ما جُعلا في الأصل له.
إن كثيراً من الناس يستغلونهما لنشر غسيلهم الوسخ على الشاشة، أي لنشر إشاعات وأكاذيب وأخبار ملفقة عن حوادث أو أحداث لم تقع، ليس بالكلمة فقط، وإنما بالصوت والصورة أو بالفيديو أيضاً، ثم تعيد جملة أخرى من الناس نشرها وكأنها صحيحة، وهكذا، فيختلط الحابل بالنابل، والصحيح بالكذب، والواقع بالخيال.
وفي تفسير ذلك يُقال: إن لدى الفاعلين دوافع ملتبسة أو مختلفة، فبعضهم يريد ان يعرض للناس ما يعتقد أنه خبرة فريدة له في حادث وقع له، أو يعيد تشكيل خبرة سابقة يعتقد أنها مفيدة. وبعضهم يسيطر عليه التفاؤل أو التشاؤم فيريد اشراك الناس في كذا أو من كذا. وبعضهم يدفعه الحماس النفسي إلى نشر أو إعادة نشر ما يعتقد أنه مثير. وبعضهم يلجأ إلى ذلك تقليداً: لماذا أظل واقفاً على الرصيف وأنا ارى فلاناً أو علاناً يفعلان ويحصلان على الانتباه والاهتمام والشهرة؟ لماذا لا ألتحق بهم وأتقدم بحكاية أو قصة أو رواية أو حادث يسطل العقول، وهكذا. وبعضهم يلجأ إليه حسداً وغيره، أو ثأرا أو ابتزازا، وبخاصة إذا كان هارباً من البلاد.
مثل هذه الحكايات والقصص والروايات والحوادث الحقيقية أو المفبركة يجذب الانتباه ويستقطب المتجولين في الوسائل، حيث ترى بعضهم يتعاطف مع صاحب البوست إذا كان الموضوع محزناً أو مؤلماً أو يندفع إلى المشاركة أو التعليق إذا كانت صاحبة البوست أو الحكاية والرواية… فتاة أو سيدة.
أما المكافأة الكبرى التي يحصل عليها أصحاب المحافظ والصفحات أو البوستات… فهي الحصول على العملة الدارجة في «بورصة» وسائل التواصل الاجتماعي: عدد اللايكات (Like) أو عدد المشاركات (Share) أو عدد التعليقات (Comment) أو عدد الاتباع (Followers) أو عدد الأصدقاء (Friends) الذين تعثر عليهم في حساباتهم/ أرصدتهم في الهاتف. بل إن بعضهم يتباهى «بقمع» فيسبوك له لأنه تحداه، أي تحدى معاييره في بوستاته، ليحصلوا على الإعجاب أو على مزيد منه.
تمارس جملة الناس هذه الأساليب لأنها آمنة نسبياً، أي أنها قلما تثير مشكلات قانونية لهم، إما لأن الشخوص الواردة في بوستاتهم غير معروفة، أو أنها معروفة ولكن مبجلة صدقاً أو نفاقاً أو مستهدفة ولكنها لا تستطيع جلبهم إلى القضاء. ولكنهم يستخدمونها لمصلحة، أو لجذب الانتباه والشهرة.
لكن تداول الإشاعات والأكاذيب والقصص والروايات والحوادث المفبركة أو المفتعلة تجعل الناس لا يعرفون أو لا يميزون بين الحقيقة والكذب أو الواقع والخيال.
وقد تخلق تلك الأساليب قدراً غير يسير من الخوف أو القلق عند الناس لا لزوم لهما، وبخاصة إذا كان لديهم اصلاً المزيد منهما. كما تشتت انتباههم عن القضايا أو المشكلات الحقيقية.
للأسف وسوء الخلف وفساد العلف تُقبل جملة الناس بما في ذلك خريجو جامعات واساتذة … على هذه الاشاعات والأكاذيب، وتنقلها بالترانزيت إلى محافظ أو إلى صفحات أخرى، مُضفين المصداقية عليها إذا كانت تصيب نظراءهم.
كما يهرع كثير من الناس إلى المشاركة الوجدانية مع صاحب البوست الذي توفي والده أو توفيت والدته… او الذي أعرس وتزوج أو نجح في نيل الدرجة الجامعية حتى وإن كانوا يشكون في صحة ذلك. ولكنهم يحجمون عن المداخلة إذا كان البوست رصيناً أو طويلاً أو ثقيلاً أو حساساً.
لا حل لكل هذه الإشكالات والمشكلات سوى بالتفكير الناقد، وبتعلّم أبجديات الاتصال والتواصل، للتمييز بين الحقيقة والكذب، والواقع والخيال في عصر ما بعد الحقيقة الذي نعيش فيه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock