ترجمات

وصف بريفيك بالمجنون يعفي اليمين المتطرف من الإدانة

لوري بني – (الإندبندنت)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لا عجب أن تكون لغة الجنون لغة سياسية. فعندما سمعت بداية إن إرهابيين إسلامويين ذبحوا ما يصل إلى 80 شخصاً في النرويج، كنت وسط تجمع لناشطين من الجناح اليساري -من نوعية الناس الذين يفترض في العادة أن تسأل عن افتراضات تدور حول الذبح السياسي والدين الإسلامي. وقد فعل بعضنا ذلك. وقال أحدهم بينما كان يقرأ من نشرة الأخبار: “ذلك لأنهم أعادوا طباعة الرسوم الكرتونية الدنماركية (المسيئة للنبي محمد). فطأطأنا رؤوسنا بالموافقة. ولم نفكر لنسأل ما إذا كانت الأصول العرقية والأيديولوجية الخاصة بالقتلة قد تأكدت. كما ان أحداً لم يستخدم الكلمة “مجنون””.
وفي اليوم التالي، وحتى مع خروج صحيفة “ذا صن” بعنوان يقول: “القاعدة” تنفذ “النرويج 7/7″، كان التخمين الأول للجميع مخطئ بشكل كبير، إذ لم يكن الرجل المسؤول عن الهجمات الوحشية في أوتويا وأوسلو أبيض البشرة وأوروبياً مسيحياً وحسب، وإنما هو أيضاً متشدد ومعادٍ للإسلام، له أرضية مشتركة وصلات مباشرة محتملة مع مجموعات من أقصى اليمين في طول أوروبا وعرضها، بما في ذلك في بريطانيا. ومباشرة، كانت هناك مساعٍ حثيثة مرتبكة لتغيير الخطاب، فلم يعد القاتل الفكر المدبر الجنائي جزءا من شبكة “إرهابية” شريرة -كان، ببساطة، “رجلاً مجنوناً” أو “مريضاً نفسانياً” أو فعلها “من تلقاء نفسه”. ولو كانت قلة قد توقفت لتسأل عن الجنون المنظم والخطير الذي يدفع فرضياً أي قاتل إسلاموي لارتكاب أعمال القتل، فإن هذه الجرائم كانت بوضوح نتاج فكر منحرف مجنون، يعمل من تلقاء نفسه. وبذلك المنطق، لم تكن لديه أي صلة على الإطلاق بالتسبب بصعود التطرف في أقصى اليمين في أوروبا وبرهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) المنتشرة على نطاق شعبي في عموم أوروبا.
ما يزال وصف شخص ما بأنه مجنون طريقة “للتغييب”؛ أي لفصل هذا الشخص عن باقي المجتمع. فمن النساء غير الشرعيات جنسياً في أواخر القرن التاسع عشر، إلى الشاذين جنسياً في الخمسينيات من القرن الماضي، ما تزال تتم معالجة الانحراف الاجتماعي بغية معاقبة السلوك الذي يعد مثار اشمئزاز أو غير محتمل، وبدون فرض أي عبء على المجتمع للاستجابة إليه كجزء من ثقافته الخاصة. ويعد أمر حظر “الجنون” الذي ما يزال الناس الذين يعانون من صعوبات صحية عقلية يواجهون في ظله التمييز في مجتمعاتهم وأماكن عملهم، ما يزال يعد متماسكاً جداً.
وطبقاً لأرقام منظمة الصحة العالمية، فإن ما يصل إلى ربع المواطنين الراشدين يتوافرون على نوع من تجربة ما في صعوبة تتعلق بالصحة العقلية، كما أن معظمهم لا ينطوون على عادة القتل الجمعي. وثمة حاجة لتفسير آخر. وفيما يعزى إليهم الفضل، فإن الرجال والنساء المحترمين من الاستخبارات النرويجية يستمرون في مقاومة الاستبعاد السهل للقاتل بتهمة “الجنون،” مصرين على أن القاتل المحلي الذي تربى في الوطن إنما هو “شرير وغير مجنون”.
لست مهتماً على وجه الخصوص بالتحليل النفسي الصميم لأنديرس بريفيك. وغني عن القول إن هناك شيئا ما مرعباً لدى أي شخص، بغض النظر عن خلفيته العرقية والأيديولوجية، ممن يعتقد بأن ذبح المراهقين هو الرد المناسب على التقلبات السياسية. ولا تعد المتانة الذهنية المحددة لبريفيك ذات أهمية بالنسبة لأي شخص باستثناء محامي الدفاع عنه. لكن ما يهم أكثر هو السرعة التي بادر من خلالها العديدون إلى الهرولة للادعاء، بالصوت العالي، بأنه لا بد وأن يكون مجنوناً، وكأن حالة الجنون تضع المصاب بها تلقائياً خارج إطار المسؤولية السياسية والشخصية.
تبدو شرائح كبيرة من المؤسسة السياسية مندفعة لتعتقد، كما كتب سام ليث في “ذي إيفننغ ستاندارد”، بأن النرويج “تبحث في الجنون وليس في الأنظمة السياسية”، وبأن الحوادث التي شهدتها أوسلو وأوتويا كانت “استثنائية جداً بحيث تحظى باهتمام علم الجريمة وعلم الدماغ وليس الأنظمة السياسية”، وفق عبارات سايمون جنكينز في “الغارديان”. وما يزال القليلون مستعدين لتفحص الاحتمال المخيف أكثر بكثير، القائم على أن القاتل ربما يكون قد تبنى أفكاراً متطرفة وعنيفة ودموية تسود كلية راهناً في الخطاب السياسي لدى الاتجاه السائد، رغم كونها بغيضة.
وتظهر نظرة سريعة على بيان بريفيك المرهق الذي يقع في 1500 صفحة، والذي يطرح فيه خطته لتحرير أوروبا من سياط “الأسلمة” و”التعددية الثقافية”، أن هذا لم يكن فعل إنسان كان على عتبات الانهيار الذهني. وتصف الوثيقة جدليتها للخوف في حذر بارد كان قد خضع لبحث جيد، والذي يعد أكثر إخافة وبشكل لا متناه من أي تبجح فاشي مرقط بالزبد. وقد عمل الكثير من التصور العبثي للبيان بنظام جديد من “فرسان الهيكل” لتطهير القارة من المسلمين. لكن الأجزاء الأسخف من هذا السحر الأسود من الكراهية ليست هي الأكثر إزعاجاً: فجل النص ينطوي على خطاب حول الإجحاف والشك الاجتماعي الذي أصبح روتينياً جداً ليكون جزءا من الخطاب العام في الغرب، لدرجة أنه يتم اقتباس عدة كتاب بريطانيين وأميركيين مرموقين بالكامل.
لكن الادعاء بأن هذه المجزرة “لا علاقة لها بالأنظمة السياسية” هو فعل هجومي، فضلاً عن أنه غير منطقي. ولا يقتصر الأمر وحسب على أن حجتهم المكتوبة الخاصة بالأيديولوجية، وهي حجة مألوفة على نحو مخيف، تقف وراء هذه الهجمات، بل إن الادعاء المذكور ينطوي على توجيه الإهانة لذكرى الناشطين الشباب من حزب العمال النرويجي الذين فقدوا أرواحهم بسبب اعتقاداتهم السياسية، ولأن إرهابياً من الجناح اليميني قرر أنهم “خونة من الفئة أ” من الجيل التالي -مؤيدين لأفكار “التعددية الثقافية” و”النسوية”- ولذلك يستحقون الموت.
إن تجاهل أهمية أنديرس بريفيك باعتبار أنه “عمل من تلقاء نفسه” يسمح لنا بإدانة أعماله بدون استبعاد أفكاره. وهذا على وجه التحديد ما حاول ستيفن لينون، زعيم عصبة الدفاع الإنجليزية من أقصى اليمين، أن يفعله خلال مقابلة مع “نيوز نايت” بعد الحادثة، عندما قال إن بريفيك أعد قائمة بمواقع عدة مئات من أعضاء “عصبة الدفاع الإنجليزية” EDL للاتصال معهم، وأنه أرسل رسالة دعم للمجموعة قبل وقت قصير من اختفائه تحضيراً لتنفيذ هجماته. وبعد أن أعرب لينون عن تعاطفه مع شعب النرويج، قال لجيريمي باكسمان إنه يشارك بريفيك الاعتقاد بأن الإسلام يشكل “تهديداً”، وبأن ملايين الناس في طول أوروبا وعرضها يحسون بالإحساس نفسه. وقال أيضاً: “إنك لا تستطيع نعت ملايين الناس الذين ينطوون على مخاوف من الإسلام بأنهم مجانين”. وأضاف: “إنك تحتاج لأن تستمع إلينا، والله لا يسمح بأن يحدث مثل هذا الشيء على الأرض الإنجليزية… وهذا ليس تهديداً، وإنما دعوة تنبيه”.
لعل الجنون الفعلي والحقيقي هو أن هناك الكثيرين في الاتجاه السياسي السائد ممن يتفقون معه في الرأي. وكما فشلت الحكومات في عموم أوروبا في تقديم أي رد متماسك حول تجريد الطبقة العاملة من امتيازاتها، فقد أصبح من الروتيني أن تداهن أبشع حالات الإخلال لأولئك الذين أصبحت وظائفهم وحيواتهم في خطر بسبب ركود الأجور وانهيار السكن الآمن والتوظيف. ومع تجمع أقصى اليمين بقوة وثقة، لم نعد نستطيع أن نغوص في أعماق أيديولوجية الكراهية التي أفضت إلى ارتكاب المذبحتين النرويجيتين. وفي تلك الطريقة، يقبع الجنون الفعلي.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Calling Breivik mad lets the far-right off the hook.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock