آخر الأخبار حياتناحياتنا

وعي الأطفال بالأماكن التاريخية.. طريق يبدأه الآباء وتكمله المدارس

منى أبو حمور

عمان– لم تكن حادثة الاعتداء على المناطق الأثرية في مدينة جرش الأثرية وتشويه جانب منها بالرسومات المؤذية للنظر؛ حادثة عادية تمر مرور الكرام؛ حيث أثارت غضب الأردنيين وكل من هو معني بالتاريخ والحضارات وما يمس مقدرات الوطن.


وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي صورا تبين أحد أعمدة موقع جرش الأثري مشوها باستخدام طلاء أسود اللون، مع كتابات أخرى، تنم عن “سلوكيات فردية “معيبة” وخاطئة وغير مسؤولة لا تحترم آثار الوطن ومقدراته.


غياب الوعي بأهمية الأماكن الأثرية التاريخية والسياحية التي يحمل كل حجر فيها حقبة تاريخية عريقة، وتروي أعمدتها حضارات أمم عبرت منذ آلاف السنين؛ يعيد النظر من جديد للدور الحقيقي للمنظومة التربوية أسريا ومدرسيا، وبما يساهم برفع وعي المواطن منذ صغره بأهمية هذه الأماكن، تاريخيا وسياحيا واقتصاديا.


خبراء أكدوا لـ “الغد” أهمية تفعيل الدور الحقيقي والفعال لكل من الأسرة والمدرسة لترسيخ مبادئ الحفاظ على مرافق الوطن ومقدراته وكيفية التعاطي مع المناطق السياحية والأثرية وترسيخ مفهوم “المواطن الحارس” الذي يجد نفسه حاميا لوطنه.


الحادثة الأخيرة بالاعتداء والتشويه؛ طرحت العديد من التساؤلات عن الدوافع الحقيقية التي تدفع أي شخص للعبث بمناطق أثرية التي مر على وجودها آلاف السنين والتي تعتبر وجهة سياحية لكل العالم في الوقت الذي يبقى فيه الحديث عن الانتماء والمواطنة في المناهج يحتاج لتفكير أكثر عمقا، وممارسات عملية تعزز الجوانب الإيجابية اتجاه هذه المناطق.


يمتاز الأردن بوجود أماكن أثرية عديدة ومتنوعة من حيث الامتداد التاريخي، ووجود الآثار التي تعد امتدادا للماضي العريق وربطه في الحاضر وفق خبير علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان.


ويلفت بدوره إلى أن كل الأمم والأقوام السابقة تسعى إلى أن تساهم في عمارة الأرض ضمن إمكانياتها وقدراتها وهذه العمارة يستمر جزء منها جيلا بعد جيل وتنتقل للأجيال القادمة.


ويشدد سرحان على ضرورة إدراك أن الآثار تشكل تاريخ وحضارة الأمم والشعوب، ولها قيمة تاريخية لا تقدر بثمن، فهي مصدر لحفظ تاريخ البلاد والشعوب التي سكنت تلك الأراضي وانعكاس حضارتها، وهي مصدر مهم من مصادر السياحة للوطن نظرا لاهتمام فئة كبيرة من الزائرين بالآثار، وهي مصدر اقتصادي ينعكس على الناس والمنطقة المحيطة بها بشكل خاص.


وتكمن أهمية المناطق الأثرية بحسب سرحان في نقلها لحضارات الشعوب التي عاشت فيها وثقافاتها والأمم التي مرت على تاريخ تلك الأماكن.


وتأتي حماية الآثار بحسب سرحان، تبعا لأهميتها وطبيعتها وعمرها، وهي أمانة ينبغي الحفاظ عليها وهي من أصدق وسائل نقل التاريخ من دون تشويه للحقائق، لافتا إلى الاهتمام الكبير الذي توليه الدول والشعوب للآثار، نظرا لإدراك القيمة الكبيرة لها ويستدل من خلالها على عراقة الأمة.


ويحظى العرب والمسلمون بتاريخ كبير ممتد عبر العالم، ولا بد أولا من إدراك أهمية الآثار وأن لها قيمة تاريخية عالمية من حيث الكم والمساحة والتعرف على تاريخ الأجداد، ومصدرا للسياحة والاضطلاع على عادات البلد وتقاليده، فالمسؤولية المجتمعية تكمن في حماية الآثار وعدم السماح أو التهاون مع من يحاول تدميرها أو تشويهها والاعتداء عليها.


ولا بد أن يبدأ نشر الوعي بالآثار بحسب سرحان عند الصغار من خلال المؤسسات التربوية، تحديدا المدارس، وكذلك الجامعات والمؤسسات الأهلية وأن تقوم وسائل الإعلام بدورها المطلوب في نشر التوعية، والأسرة عبر زرع قيمة الآثار وأهميتها في نفوس الأطفال والمساهمة في المحافظة عليها.


وهذا يتطلب من الأسرة والمؤسسات التربوية والاجتماعية تنظيم رحلات مبرمجة إلى مختلف المناطق الأثرية داخل الدولة، وأن تشمل هذه الرحلات شرحا وافيا مفصلا حول طبيعة الآثار الموجودة والتسلسل التاريخي الذي مرت به وقيمتها التاريخية والحضارية وما هي مخاطر التعرض لها أو الاعتداء عليها وتشويهها.


ويجدر بالجهات المعنية بحسب سرحان توزيع المواد الإعلامية والصور والمواد الفلمية التي تعرف بهذه الآثار إضافة إلى إقامة المعارض وعقد الندوات والمحاضرات للتعريف بآثار المنطقة ومسؤولية الجميع نحوها، والتأكيد على الزيارات الآمنة للآثار التي تعني عدم الإضرار بها عند زيارتها سواء كانت زيارة فردية أو أسرية أو مدرسية أو غيرها.

 

كذلك توعية الصغار خلال الزيارات بأن النحت على الآثار وإلقاء النفايات وحرق الأعشاب وإشعال النيران يساهم بتشويه المناطق بالوطن وبالتالي خسارتها. ويؤكد سرحان أن الحاجة ماسة إلى تضمين المناهج الدراسية بمختلف المراحل العمرية مواد تحاكي أهمية الآثار وتاريخها وحضارتها، مبينا أن وعي الأبوين يساهم في نقله للأبناء، ويمكن للأسرة تنظيم رحلات جماعية للمناطق الأثرية بهدف التعرف عليها وزيادة ارتباط الأبناء بها.


ويوافقه الرأي الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة الذي يؤكد على الدور الأساسي بالمرحلة التعليمية تحديدا في التربية الوطنية والاجتماعية، والأصل أن يكون التركيز على الجوانب العملية مع رفع درجة الوعي بالتعامل والتعاطي مع المجتمع والبيئة والآثار.


الدور التربوي يكمن في كيفية تأهيل الطلبة منذ صغرهم في كيفية التعامل بحرص مع المناطق التاريخية والأثرية، ليشعر كل واحد منهم أنه حارس على ممتلكات الوطن ومقدراته.


التركيز على الجانب النظري، بحسب النوايسة عبر حشو معلومات كبيرة جدا ربما لا يجدي نفعا أو يعطي النتائج المطلوبة، فالمهم أن يعزز دور المدارس الجوانب الإيجابية والتربوية عند الطلاب عبر ممارسات عملية من خلال المحافظة على البيئة والآثار وغيرها. ويقول النوايسة؛ “الفصل ما بين الجانب النظري والعملي يتطلب إعادة النظر في الآلية التي يقدم فيها المحتوى الذي يتعلق في الحفاظ على التراث والآثار”، ليصبح الجميع حراسا للوطن وحماية مقدراته ومرافقه وشوارعه وآثاره.


ويتطلب هذا الوعي بحسب النوايسة، التركيز على الأنشطة العملية وإشراك الطلبة فيها وزيارة الآثار وتنظيفها والمحافظة عليها، سيما وأن هناك حصصا حرة غير مستغلة من قبل المدارس يمكن من خلالها تسيير حملات طلابية لتنظيف هذه المناطق الأثرية والاهتمام بها لتقدير أهميتها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock