آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

وفاة حمدة: تعددت الأسباب و”القهر” واحد

محامي العاملة يستند لتقرير الطب الشرعي وحقوقيون يطالبون بفتح ملف "العنف النفسي"

رانيا الصرايرة

عمان– فيما يرى خبراء في القانون والصحة صعوبة إثبات أن سبب وفاة العاملة حمدة “تعرضها لضغط نفسي شديد أدى لانفجار شريان في الدماغ”، يؤكد خبراء في مجال سياسات العمل أن الحادثة تجدد أهمية توفير بيئة عمل لائقة لا تتسامح مع أي شكل من أشكال العنف، ومن ضمنه العنف النفسي، خاصة في القطاعات التي لطالما أثبتت تقارير محلية ودولية حدوث انتهاكات عمالية فيها، ومنها قطاع صناعة الألبسة الذي تنتمي إليه حمدة.


ويؤكد قانونيون وجود صعوبة قانونية في إثبات أن التعنيف اللفظي أو النفسي الذي تعرضت له العاملة، والذي يشهد عليه زوجها وزميلاتها في العمل، هو سبب الوفاة، وهو ما يمكن أن يسمح، في حال إثباته، بملاحقة المتسبب بشكل قانوني ومطالبته بالتعويض.


ويستند محامي أهل العاملة المتوفاة حمدة في شكواه لدى المدعي العام، إلى تقرير الطب الشرعي الذي يشير إلى أن سبب الوفاة “انفجار أم الدم الدماغية وتمزقها، ما أدى الى النزف الدماغي وموتها نتيجة لذلك”.


وتقول لائحة الشكوى المقدمة من المحامي، “إن الضغط النفسي والعصبي والتوتر الذي تعرضت له المجني عليها أدى الى هذه الإصابات والموت المفاجئ”، وإن التقارير الطبية “حصرت سبب الموت والوفاة بذلك، وهذا يقود إلى أن أفعال المشتكى عليهم جميعا قد شكلت جنايتي القتل القصد بالاشتراك أو الإيذاء المفضي الى الموت بحدود المادتين 326 و330 من قانون العقوبات الأردني، وهي جرائم يعاقب عليها القانون”.


غير أن مدير قسم الطب الشرعي الدكتور حسن الهواري، يؤكد أن التقرير الصادر عن الطب الشرعي بخصوص حالة العاملة حمدة يؤكد أن سبب الوفاة “عيب خلقي في أم الدم تسبب في انفجار في شريان دماغي”.


وقال الهواري لـ”الغد”، “إن هذا المرض وراثي؛ حيث إن أم الدم عبارة عن بالون ذي غشاء رقيق يتواجد على شريان دماغي إذا زاد حجمه عما يجب أن يكون، فإنه ينفجر ويتسبب بالوفاة في وقت قصير”، نافيا أن يكون تقرير الطب الشرعي قد ذكر أن سبب الوفاة “تعرض العاملة لضغط أو توتر نفسي شديد”.


أما محامي أهل العاملة المتوفاة حمدة، فاستند في شكواه لدى المدعي العام إلى تقرير الطب الشرعي الذي قال المحامي إنه يوضح أن سبب الوفاة “انفجار أم الدم الدماغية وتمزقها، ما أدى الى النزف الدماغي وموتها نتيجة لذلك”، وبذلك تقول لائحة الشكوى المقدمة من المحامي “إن الضغط النفسي والعصبي والتوتر الذي تعرضت له المجني عليها أدى الى هذه الإصابات وإلى الموت المفاجئ، وحصرت التقارير الطبية سبب الموت والوفاة بذلك”.


لكن مستشار أول الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان، يشرح أن “أم الدم الدماغية” هي توسع محدد في الأوعية الدموية الدماغية وخاصة عند تفرعها، مؤكدا أن “الأعم الأغلب من أشكال أم الدم الدماغية تنشأ من عيب خلقي في الجدار الأوسط للأوعية الدماغية عند تفرعها في قاعدة الدماغ”.


وقال جهشان لـ”الغد”: “إن العامل الأكثر أهمية الذي يؤدي إلى تمزق أم الدم الدماغية هو حجمها، فإذا كانت أكبر من 1 سم يكون هناك خطر كامن من تمزقها في أي وقت، وبالتالي حدوث الغيبوبة والوفاة”، شارحا أنه “عادة ما يحدث التمزق خلال النهار، وقد يرافق ذلك إجهاد حاد وارتفاع ضغط الدم، إلا أن حدوث الغيبوبة والوفاة غير مرتبط بعلاقة سببية قائمة على الأدلة العلمية، مع الإجهاد أو التوتر أو ارتفاع ضغط الدم، حيث إن العديد من حالات انفجار أم الدم الدماغية تحدث بغياب هذه الأمور”.


ومن ناحية قانونية، يشير خبراء قانونيون إلى صعوبة إثبات أن سبب وفاة عامل في مكان العمل نتج عن ضغط نفسي تعرض له في العمل، خاصة أن العنف النفسي غير معرّف في القوانين المحلية ولا توجد مادة واحدة في أي قانون تعاقب عليه.


وحول هذه النقطة، قال المحامي وأستاذ القانون المشارك في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية محمد النسور، في حسابه على “تويتر”: “ستكون مهمة من يطالب بالتعويض المدني بسبب وفاة حمدة صعبة جدا، فعبء الإثبات يقع عليه أولا وثانيا إثبات أن التعنيف اللفظي الذي تعرضت له هو من سبب الوفاة (رابطة السببية) أمر فيه تحد كبير”.


ويؤكد النسور أن مسألة تكييف الفعل تعود أولا للمدعي العام، وللمحكمة المختصة الحق أيضا بإعادة تكييف الفعل إن رأت ذلك مناسبا؛ حيث تنص المادة 234 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، على أنه: “يجوز للمحكمة أن تعدل التهمة وفقا للشروط التي تراها عادلة، على أن لا يبنى هذا التعديل على وقائع لم تشملها البينة المقدمة، وإذا كان التعديل يعرض المتهم لعقوبة أشد تؤجل القضية لمدة تراها المحكمة ضرورية لتمكين المتهم من تحضير دفاعه على التهمة المعدلة”.


وشرح النسور “أنه يجب إثبات توافر ثلاثة عناصر للحكم بالتعويض، وهي: الفعل الضار، والضرر، ووجود علاقة سببية منهما، وهي قد عولجت في المادتين 256-266 من القانون المدني، وفي حالتنا هذه يجب إثبات أن العنف اللفظي الذي مورس على المتوفية هو السبب المباشر الذي أدى الى الوفاة أو أنه المتسبب بالوفاة، وإلا فلا يمكن المطالبة بالتعويض، وهذا لا تستطيع المحكمة التوصل اليه من دون الاستعانة بأهل الخبرة”.


‏ويؤكد النسور أن الأصل أن مؤسسة الضمان الاجتماعي تقوم بتعويضات إصابات العمل ما لم يكن سبب إصابة العمل خطأ صاحب العمل الجسيم؛ حيث نصت المادة 37 من قانون الضمان الاجتماعي على أنه “لا يحق للمصاب أو لورثته أو للمستحقين عنه الرجوع على المنشأة للمطالبة بأي تعويض، خلاف التعويضات الواردة في هذا القانون وذلك فيما يتعلق بإصابات العمل، إلا إذا كانت الإصابة ناشئة عن خطـأ جسيم من المنشأة”.


أما تعريف إصابات العمل فهي الإصابة بأحـد أمراض المهنة المبينة في الجدول رقم 1 من قانون الضمان الاجتماعي وأي أمراض أخرى يقرر اﻟﻤﺠلس إضافتها لهذا الجدول بناء على تنسيب المرجع الطبي أو الإصابة الناشئة عن حادث وقع للمؤمن عليه أثناء تأديته لعمله أو بسببه، بما في ذلك كل حادث يقع له خلال ذهابه لعمله أو عودته منه، شريطة أن يكون ذلك بالشكل المعتاد أو أن يكون الطريق الذي سلكه مساراﹰ مقبولاﹰ للذهاب للعمل أو الإياب منه.


وأضاف: “فإذا حصلت الإصابة، تنص المادة 27 من قانون الضمان الاجتماعي على أن تقوم المنشأة بنقل المؤمن عليه المصاب إثر وقوع إصابة العمل إلى جهة العلاج وإبلاغ أقرب مركز أمني عن الإصابات التي يقرر اﻟﻤﺠلس ضرورة الإبلاغ عنها خلال ثمان وأربعين ساعة من حدوثها، كما تلتزم المنشأة بإشعار المؤسسة بوقوع إصابة العمل خطياﹰ وإرفاق التقرير الطبي الأولي وذلك خلال أربعة عشر يوم عمل من تاريخ وقوعها حداﹰ أعلى”.


وتابع: “وفي حال تأخر المنشأة عن إشعار المؤسسة بإصابة العمل تتحمل ما نسبته 15 % من تكاليف العناية الطبية المترتبة، وتتحمل المؤسسة نفقـات رواتب الاعتلال، وراتب تقاعد الوفاة الناشئة عن إصابة العمل حسب مقتضى الحال في حال تم إشعارها بإصابة العمل بعد أربعة أشهر من تاريخ وقوعها”.


ويقول النسور: “بالنسبة للإصابة النفسية، فأرى أنه وعلى الرغم من عدم ذكرها صراحة، فلمجلس الوزراء، بناء على تنسيب مجلس إدارة مؤسسة الضمان تعديل الجدول رقم 2 ليتم ذكر الإصابات النفسية ضمن الجدول بموجب المادة 34 من قانون الضمان الاجتماعي، وفي الوقت ذاته من الممكن بموجب التعريف الوارد لإصابات العمل لمجلس إدارة مؤسسة الضمان إضافة الأمراض النفسية للجدول رقم 1 الخاص بأمراض المهنة”.


ورغم أن الطب الشرعي وكذلك الموقف القانوني يؤكدان صعوبة إثبات الضرر النفسي وتسببه بالوفاة، فقد أعادت حادثة وفاة العاملة حمدة المطالبة بأهمية السعي باتجاه إيجاد ظروف عمل لائقة في مكان العمل، مع إعادة طرح سؤال: “لماذا لا يتم اعتبار الوفاة نتيجة ضغط نفسي في مكان العمل اصابة عمل، أو بالأحرى لماذا يخلو قانون العمل والضمان الاجتماعي في قسمي إصابات العمل من أي ذكر للعنف النفسي في مكان العمل؟”.


ويقول تقرير صدر عن جمعية تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان “إن زملاء للعاملة أكدوا أنها دخلت في حالة بكاء شديد ومن ثم غياب عن الوعي بعد تعنيف المسؤول عنها لفظيا، ليؤكدوا أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها لذلك”.


ورغم صعوبة إثبات الضرر النفسي الذي وقع على العاملة من ناحيتين قانونية وطبية، لكن ذلك لا ينفي تعرض العاملة لعنف نفسي كبير، وهذا ما يؤكده زوجها وزميلاتها؛ حيث قال زوجها أحمد الجيلاني لـ”الغد”: “زوجتي لا تعاني أي أمراض، وطوال الأسبوع الذي سبق وفاتها كانت تشكو من إهانات لفظية تعرضت لها من المشرف على عملها”.


ويضيف: “كانت زوجتي بصحة ممتازة ولم تشك طوال عمرها من أي عارض صحي، كل ما تعرضت له هو القهر، كانت خائفة من أن يطردوها، فلقد هددوها أكثر من مرة بذلك، كانت تقول لي إنها تنتج يوميا 40 قطعة ملابس، لكنهم كانوا يريدون أن يصل إنتاجها الى 50 قطعة، كانت تعود يوميا الى البيت متعبة ومرهقة وفوق ذلك كانت تشعر بالخوف والتوتر أن يتم طردها”.


ويضيف: “ما فهمته من زميلاتها أنه في يوم وفاتها، تعرضت للصراخ والإساءة اللفظية من المراقب على العاملات، فذهبت لتشكوه للمدير العام الذي قال لها إنه غير راض عن إنتاجها، كما قالت لزميلاتها التي عادت إليهن باكية، وبعدها بقليل تم طلبها للإدارة للتوقيع على ورقة فصلها، فلم تقبل بذلك وعادت للعمل، فجاءت السكرتيرة لتطلب منها الرجوع الى الإدارة من جديد، وهناك وبعد نقاش طويل مع السكرتيرة التي كانت تطلب منها التوقيع على الفصل وقعت وغابت عن الوعي. فكيف لا تكون وفاتها بسبب ما تعرضت له؟”.


وكان تقرير لفريق جمعية تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان العامل في منطقة الأزرق، رصد مجموعة من الشكاوى في هذا المصنع، تتمثل “بحرمان العاملين من الإجازات السنوية وإعطائهم بدلا ماليا عنها نهاية كل عام، وفي حال اضطر العامل للتغيب عن العمل يتم خصم ذلك اليوم منه، كما يتم حرمان العاملين من الإجازات المرضية حتى مع وجود إجازة طبية”.


إلى جانب ذلك، كانت هنالك شكاوى تتعلق “بتعرض العاملين للسب والشتم من قبل المسؤول عنهم ولأكثر من مرة على فترات زمنية مختلفة، كذلك يتم الخصم من أجور العاملين حال تغيبهم بسبب إصابتهم بفيروس كورونا”.


ومن جهتها، حاولت “الغد” الحصول على أي وسيلة اتصال مع مسؤولي المصنع لاستيضاح حقيقة هذه الشكاوى، لكن لم يتسن لها ذلك.


والمصنع الذي وقعت فيه الحادثة هو فرع إنتاجي لأحد المصانع العاملة في منطقة الضليل، ويهدف إنشاؤه في منطقة الأزرق إلى خلق فرص عمل في المناطق النائية وجيوب الفقر خاصة للنساء، للحد من مشكلتي الفقر والبطالة.


وتجدر الإشارة إلى أن مبادرة الفروع الإنتاجية التي تنفذها وزارة العمل في المناطق ذات المعدلات المرتفعة للفقر والبطالة، تم العمل بها في مطلع شهر آذار (مارس) 2008 بناءً على التوجيهات الملكية، حيث يتم تقديم الدعم المالي والتسهيلات اللازمة من خلال صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني لإنشاء فروع إنتاجية (مصانع جديدة) في المناطق النائية والفقيرة لتوفير فرص تدريب وتشغيل للأردنيين المتعطلين عن العمل، بخاصة الإناث.


برنامج عمل أفضل في الأردن التابع لمنظمة العمل الدولية كان تنبه الى قضية أهمية الصحة النفسية؛ حيث أطلق مشروعا لدعم الصحة النفسية للقوى العاملة في قطاع الألبسة، بخاصة النساء، إذ يشكلن غالبية العمالة في هذا القطاع (72 %) ويواجهن ضغوطات جسدية ونفسية كثيرة.


وقال التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية، إنه يركز على بناء قدرات العاملين في قطاع الألبسة على التكيف مع تحديات الصحة النفسية، بما في ذلك القدرة على طلب المساعدة، مع ضمان وجود دعم على مستوى المصانع، وأنظمة إحالة للصحة النفسية في متناول جميع العمال/ العاملات.


ويعمل في القطاع نحو 65 ألف عامل وعاملة، بينما تتكون القوى العاملة في معظمها من عمالة مهاجرة (76 %)، في فروع الإنتاج بخاصة التي تعمل خارج المناطق الصناعية، وتوظف بصورة رئيسية عمالة أردنية معظمها من النساء.


وقال التقرير: “في هذا القطاع، يواجه العاملون، بخاصة المهاجرين والنساء، تحديات كبيرة، كظروف المعيشة والعمل، بما في ذلك ساعات العمل، وضغوط الإنتاج، والوصول إلى الخدمات، والحواجز اللغوية، الى جانب ما ألقته تداعيات جائحة كورونا على الصحة النفسية للعاملين”.


ويتضمن نهج الصحة النفسية لـلبرنامج، تحديد الاحتياجات النفسية وزيادة التوعية وتقديم خدمات الصحة النفسية وبناء قدرات الشركاء في الأردن.


كما اتخذ البرنامج خطوات لتلبية احتياجات الصحة النفسية للعاملين، بحيث سيركز جهوده على تعزيز تكييفهم، وبناء أنظمة دعم في المصانع وعبر أنظمة إحالة للصحة النفسية.


ويؤكد مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة، بدوره، أن وفاة عاملة مصنع الأزرق تعيدنا إلى موضوع أهمية الإقرار بوجود ظاهرة العنف والتحرش في العمل بأشكال متعددة، وبضرورة وضع نصوص تشريعية وتدابير تضمن حق كل إنسان في عملٍ خالٍ من العنف والتحرش، مبنية على حقيقة أن هذه الظاهرة تشكل انتهاكاً وإساءة لحقوق الإنسان، وتهديدا لتكافؤ الفرص، وتتنافى مع متطلبات العمل اللائق؛ وتمس صحة العامل النفسية والبدنية وكرامته وأسرته وبيئته الاجتماعية.


وشدد على أهمية إيجاد نصوص وتدابير تكرس ثقافة عمل تقوم على الاحترام المتبادل وكرامة الإنسان؛ وبيئة عمل ليس فيها أي تسامح مع سلوكيات وممارسات العنف والتحرش.


وقال: “يجب أن نصل في تعاملنا مع هذه القضية إلى قناعة بأن ظاهرة العنف والتحرش تتنافى مع تعزيز المنشآت المستدامة وتؤثر سلباً على تنظيم العمل وعلاقات العمل والتزام العمال وسمعة المنشآت وإنتاجيتها”.

 

حشرات في أحد حمامات المصنع الذي تعمل فيه الضحية-(من المصدر)

إقرأ المزيد :

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock