أفكار ومواقف

وقفية التعليم.. نحو مأسسة عمل الخير

يعتبر العديد من المسلمين، ليس في الأردن فقط، أن الحديث عن ضرورة الوقوف مليا أمام عقلية اقتصار التبرع المالي للتوسع في بناء المساجد دون غيرها، من الخطوط الحمراء التي قد تذهب بالمنظرين حولها إلى الدرك الأسفل من النار. هؤلاء استولت على عقولهم فكرة أن المساجد هي بيوت الله، لذلك يجب أن يتركز أغلب الاهتمام عليها، من خلال التوسع بتشييدها دون غيرها.
لهؤلاء أقول إن الاهتمام بالمساجد وبناء صروحها ورعايتها وخدمتها واجب ديني على كل مسلم، وإن التبرع لها لتوفير احتياجاتها من أساسيات إيمان المسلم، وهذا لا جدل فيه ولا نقاش، بيد أن هناك قطاعات أخرى أمرنا الله تعالى أن نلتفت إليها بالتوازي، وذلك لما لها من فائدة كبيرة على المجتمع، وتسد احتياجات ضرورية.
استوقفني أمس تصريح لوزير التربية والتعليم تيسير النعيمي أعلن فيه عن تبرع تلقته الوزارة بقيمة ربع مليون دينار لبناء غرف صفية لطلبة رياض الأطفال في منطقة بالطفيلة. هذا التبرع يأتي ضمن مشروع وقفية التعليم الذي تنفذه الوزارة بالتعاون مع وزارة الأوقاف. النعيمي أوضح أنه سيتم بناء مجمع من 6 غرف صفية لرياض الأطفال في منطقة وادي زيد في المحافظة بهذا المبلغ.
إن الهدف من إنشاء الوقف التعليمي يتمثل في الحاجة لرقي الخدمات المجتمعية نحو التميز. كما يعمل على توفير الفرص للمؤسسات والأفراد للمشاركة في تحمل جانب من المسؤولية الاجتماعية، وتوجيه أوجه الإنفاق الشرعي بشكل يخدم حاجات المجتمع. وهنا صلب القصة حيث التكافل الاجتماعي الذي يجب أن يستهدف مناطق معينة تعاني نقصا في بناء المدارس أو الغرف الصفية، بل يجب أن تذهب إلى أكثر من ذلك حيث التدفئة المدرسية ومستلزمات الدراسة، خصوصا أن وزارة التربية والتعليم تعاني الأمرين جراء موازنة مالية محدودة تذهب نسبتها الأكبر كنفقات تشغيلية.
من حيث الأجر وطلب الثواب، وهو هدف كل مؤمن في الأردن باعتباره طريقنا إلى جنات الله، فإن الأمر لا ينبغي له أن يقتصر فقط على بناء المساجد، فبناء المدارس والتبرع لها فيه منفعة دينية مستمرة وثابتة، وهي عمل خير مستدام، ووقفية لا تنتهي، من شأنها أيضا أن تمثل طريقا مستقيما لدخول الجنة.
من الضروري أن نعمد إلى توسيع آفاقنا فيما يخص عمل الخير، وألا نفتي بأن يتم توجيهه نحو شأن وحيد، بينما نستطيع أن نعممه إلى كثير من نواحي الحياة، ليكون رديفا للإنفاق الحكومي الذي يعاني كثيرا مؤخرا. من هنا، ينبغي العمل على مأسسة عمل الخير من خلال مبادرات وحملات وطنية تأخذ على عاتقها توجيه مخرجات هذا الخير نحو قطاع الخدمات مثلا، بما يمثله من تعليم وصحة، وغيرهما.
في هذا السياق، تقفز مباشرة في البال الحملة الوطنية الرائدة “همتنا مسؤولية” التي استهدفت ترميم وإعادة تصميم قسم الأمراض والدم في مستشفى البشير، وما هي إلا أشهر قليلة، حتى بات لدينا قسم لتطبيب مرضى السرطان يضاهي في تصميمه ونوعية الخدمة المقدمة فيه أفضل ما هو موجود عالميا.
هذه الحملة استطاعت أن تتلمس الاحتياجات الضرورية للمجتمع، وأن توجه جهودها نحو التغلب على التحديات القائمة، لذلك كان عملها وإسهاماتها قيمة إضافية حقيقية، تخدم مئات الآلاف من الأردنيين.
بالتأكيد، نحن نريد بناء مساجد جديدة على الدوام، لكن ذلك ينبغي ألا يكون هدفنا الوحيد، فنحن نريد أيضا أن نؤمن أماكن للتعليم لكثيرين محرومين منها، ونريد كذلك أن نرمم كثيرا من المدارس قبل أن تسقط أسقفها على رؤوس أبنائنا. ينبغي أن نتصدى لهذه الرسالة، والتي لا تقل قدسية عن بناء المساجد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock