فكر وأديان

“وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون”

د. محمد المجالي

ذكر الله تعالى في سورة النمل ثلاثة نماذج للقيادة الصالحة، والتي بصلاحها وكفاءتها تكون قدوة للأتباع؛ حيث الجند وأهل الشورى وبقية الشعب، لتتلاحم القيادة مع الأتباع في صورة بهية تبسط الأمن وتأتي بالرخاء، وتدفع الخطر أنّى كان نوعه وتأثيره.
ذكرت سورة النمل قصة سليمان الملك عليه الصلاة والسلام، وعلى وجه التحديد مع ملكة سبأ، وهما نموذجان للقيادة الواعية، هذا نبي مرسل، خصه الله تعالى وأباه بالملك دون بقية الأنبياء، وآتاه ملكا عظيما، وسخر له الجن والريح، وعُلِّم منطق الطير، وأوتي من كل شيء، ومع ذلك كان غاية في التواضع، يستمع ويتعلم من نملة صغيرة، واتخذ وسائل صادقة للتأكد والتثبت من الأخبار التي تصله، ويستشير من حوله، ويختبر أعداءه، وينتفض إذا انتهكت حرمات الله، فمبدأ قصته ما أخبره به الهدهد من وجود ملكة استخفت قومها، فهم يسجدون لها من دون الله تعالى، وهو أمر لا بد له من تصحيح.
أما ملكة سبأ، فهي رغم عبادتها وقومها لغير الله، إلا أنها أيضا تتحلى بمقومات القيادة، لها أهل شورى، وتختبر خصمها، حين أرسلت له هدية، لتحدد طبيعة شخصيته، إن كان طامعا في حق أو هو صاحب هوى، ثم هي وقّافة عند منطق الأشياء؛ حيث دلت نهاية قصتها على تأنيب ضمير لما كان من سابق عهدها، ثم يقينها أن سليمان عليه السلام رسول صادق، فأسلمت معه لله رب العالمين.
ولا ننسى النملة نفسها، والتي سُمِّيت السورة باسمها، فهي أيضا نموذج للقيادة الواعية النبيهة الحريصة على أتباعها وجندها، حين وصل سليمان إلى واديهم، فحذرت قومها من احتمال تحطيم سليمان وجنوده لهم، وكانت في قمة الأدب حين التمست العذر: “لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”، وحين سمع قولها تبسّم، وشكر الله تعالى على ما خصه به من نعم، وهنا يتعلم من نملة بعضا من الأخلاق، حيث الإعذار وحسن الظن بالآخر.
هي سورة النمل التي جاءت بين الشعراء والقصص، في الشعراء تفصيل لقصص أنبياء مع أقوامهم، وهم غالبا من عتاة الأقوام؛ حيث عانى رسلهم معهم أية معاناة، ولعل تسمية السورة بالشعراء، ووصف الشعراء بأن من يتبعهم هم الغاوون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ثم استثنى الصالحين منهم، والمستثنى في العادة قلة، ومن هنا فالسورة تتحدث عن أقوام عتاة فاسدين جمعوا أنواعا من الفساد. وبعدها جاءت سورة النمل لتتحدث عما ينبغي للناس فعله من حسن الاتباع بعد ظهور الحجة ووضوحها، ومع ذلك، فقد بينت سورة النمل نموذجين للفساد المتعارض مع انسجام التلاحم بين القيادة والجند، هذان النموذجان هما الإفساد المادي المتمثل في الرهط من قوم صالح عليه السلام (ثمود)، والثاني هو نموذج قوم لوط، حيث فاحشة اللواط. وفي سورة القصص نموذجان آخران للقيادة السياسية الفاشلة، حيث فرعون الطاغية: “إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين”، ونموذج فاسد آخر حيث طغيان المال، الذي جر قارون إلى البغي، وحذره قومه من ابتغاء الفساد في الأرض.
هي سور ثلاث متتابعة متكاملة، تحكي أسباب بقاء الأمم أو زوالها، وأهمية وجود القيادة السياسية والعسكرية السليمة، بما معها من أجنحة الشورى والإتقان والجندية المقتدية بنماذج صالحة مصلحة، وخطورة الفساد وشيوعه، فهو يبدأ بسيطا، ثم لا يلبث أن يتمكن خطوة خطوة، حين يألفه الناس ولا ينكرونه، وهو من أكد أسباب زوال الأمم واندحارها.
يخبر الله تعالى عن تسعة رهط مفسدين في ثمود، وهم أصحاب الحجر أيضا، تسعة فقط، لكنهم رؤوس لغيرهم من أتباعهم، مهمتهم الإفساد، استطاعوا تكوين مجتمع الفساد، تجرؤوا على الباطل، وتحدوا نبيهم، ومنهم الذي عقر الناقة، وهموا بقتل نبيهم صالح، حين هموا بتنفيذ جريمتهم وتبرئة أنفسهم منها بطريقة الخداع، ثم استأصلهم العذاب.
هي خطورة انتشار الفساد في المجتمع، حين يألفه الناس، خاصة إن اجتمع معه الظلم، فهو مؤذن بزوال تلك الأمة أو ذاك المجتمع، ولو وجد وحده فلا يمنع هذا من الاستئصال ولو بعد حين، ولا يجوز بحال أن يُشَرَّع الفساد ولا أن يُدافَع عنه باسم الحرية، ولا أن يُقْمع المصلحون، فوجودهم بحد ذاته وسيلة أمن لهذا المجتمع، إلا أنْ يكثر الخبث، فحينها قد يهلك الجميع كما هي سنة الله تعالى.
وعودة إلى سورة النمل، فبعد الحديث عن الرهط المفسدين باختصار، والحديث عن قوم لوط بجريمتهم النكراء المنافية للفطرة، وكيف أخرجوا آل لوط من قريتهم، وجريمتهم أنهم أناس يتطهرون! فبعدها تأتي آيات غاية في الروعة في شأن تعظيم أمر الله تعالى وضرورة الانصياع لأمره والخضوع لعبادته: “آلله خير أم ما يشركون!؟”، وتكرر فيها لفظ: “ءإله مع الله!؟” خمس مرات، في كل مرة لون من ألوان إثبات ربوبيته وألوهيته معا، وليت كل قارئ يرجع إلى المصحف ليتمعن في هذه الآيات (59-66)، كيف توجه الإنسان إلى التفكر والتدبر، في الكون تارة، وفي النفس أخرى، ليعيش الإنسان حالة الإقرار أنه مع التفكير السليم، لا بد من الاستسلام لله، فهو أحق بأن يتوجه العبد إليه، ولا يلهو، ولا يتكبر على الحق، ولا ينخدع بمظاهر الدنيا ومتاعها، مهما بلغ فيها من مرتبة عالية.
ولا بد أن أشير إلى خاتمة السورة، حين لخص الله تعالى موقف القيامة، ومن جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزعٍ يومئذ آمنون، بينما من جاء بالسيئة فكُبَّت وجوههم في النار، ليلخص الله تعالى بعدها الرسالة بنقاط ثلاث محددة: “إنما أُمِرتُ أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء. وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين، وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها، وما ربك بغافل عما تعملون”، فهي عبادة الله وحده، والاستسلام له، والعيش مع القرآن حيث منبع الرسالة الخاتمة، والأمان المطلق بالعيش مع القرآن واستمداد الروح والنور والهدى منه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock