آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

“ولائم شعبان”.. كورونا “يقيد” فرصة اللقاء وإجراءات الحماية تفرض شروطها!

منى أبوحمور

عمان- يعود الحاج أبوسعيد بذاكرته قبل ما يقارب عامين، حينما كانت أحب الطقوس على قلبه في شهر شعبان، الوليمة التي يقيمها لشقيقاته وأبنائهن، وقريباته من عائلته الممتدة. وبنبرة حزن، يقول “كنت على أمل أن ينتهي كورونا هذا العام ونعود لما اعتدنا عليه عبر أعوام طويلة من تجمع العائلة الكبيرة، وإقامة مأدبة غداء تضم الكبير والصغير”.
وعائلة أبوسعيد، كما الكثير من العائلات التي اعتادت أن تقيم هذه الوليمة في كل عام، وحرمت منها العام الماضي، كانت تتوقع أن يكون الحال هذا العام أفضل، وينتهي وباء كورونا الشرس، وتعود تفاصيل الحياة لسابق عهدها.
أبوسعيد، يبين أنه ورغم الحزن الذي يعتري القلوب من تغير العادات، إلا أن الحفاظ على التباعد الاجتماعي واتباع الإجراءات الاحترازية كافة هذه الفترة هو السبيل نحو النجاة من الجائحة، و”رغم صعوبة ما نعيشه، إلا أن باستطاعتنا أن نعوض كل شيء إن حافظنا على صحتنا وصحة الآخرين والتزمنا تماما لحين يأتي يوم يتعافى فيه المجتمع”.
ما تزال جائحة كورونا تلقي بظلالها على الحياة الاجتماعية، فبعد مرور عام على انتشار الفيروس في الأردن، ما يزال الوضع الوبائي أكثر خطورة، ويتطلب من الجميع التكاتف وتحمل المسؤولية والالتزام بالإجراءات الاحترازية لتجاوز هذه المحنة.
ويأتي شهر شعبان أو كما يسميه البعض “شهر الولايا”، بظروف وبائية استثنائية تجعله خاليا من اللمات العائلية، فلا تتوقف الجائحة عن تغيير تفاصيل الحياة والعادات الاجتماعية؛ إذ لطالما اعتادت العائلات على استقباله، والمحافظة على الأواصر الأسرية، فما إن يبدأ حتى تتهافت الأسر لإعداد ولائم لأرحام العائلة وسط مشاعر من الفرحة والبهجة.
وشعبان هذا العام، وللمرة الثانية على التوالي، ستغيب عنه هذه الأجواء التي اعتادت عليها معظم الأسر منذ أن يهل الشهر الذي يسبق رمضان المبارك.
الارتفاع الكبير في الإصابات وأعداد الوفيات الذي تشهده الأردن منذ شهر شباط (فبراير) الماضي، ضاعف من الإجراءات الاحترازية وحزمة من القرارات التي تغلظ عقوبة عدم الالتزام أو إقامة التجمع بأعداد كبيرة، كلها جاءت للحد دون انتشار فيروس كورونا أو التسبب بانتكاسة وبائية.
لم يقتصر أثر جائحة كورونا على الجانب الاقتصادي والصحي والتعليمي فحسب، بحسب اختصاصي علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان، إنما طال الحياة الاجتماعية والجوانب النفسية في المجتمعات التي تمتاز بقدر كبير من العلاقات والترابط الأسري.
الالتزام بعدم إقامة التجمعات الكبيرة، هو الأساس للحد من انتشار هذا الوباء، وفق سرحان الذي يبين أنها مسؤولية مجتمعية؛ إذ بدا التأثير السلبي خلال الفترة السابقة واضحا في الأعياد ومناسبات الأفراح والعزاء، رغم أن التقيد بالإجراءات يتفاوت من شخص لآخر أو من أسرة لأخرى.
قبل حلول شهر رمضان المبارك، كانت العائلات تحرص على إقامة ولائم شعبان التي يجتمع فيها عدد كبير من أفراد الأسرة الممتدة، وهو سلوك يعزز أواصر التكافل الاجتماعي وإدامة علاقات المحبة والألفة، ويترك أثرا إيجابيا في النفوس، وخصوصا “نساء العائلة”، باعتباره فرصة للالتقاء بأفراد العائلة الكبيرة، وهو من جانب كان يعزز عند الصغار هذه العادات والتواصل مع الأجداد والأعمام والأخوال.
غير أن ظرف هذا العام، وبسبب استمرار انتشار الوباء، بل وجود بعض المؤشرات على انتشار سلالات جديدة أكثر سرعة في الانتشار وتزايد أعداد الإصابات، فإن الواجب والمسؤولية يفرضان على الجميع الامتناع عن إقامة الولائم هذا العام بالطريقة التي اعتادت عليها الأسر سابقا من حيث أعداد المدعوين في مكان واحد، لأن المصلحة العامة تقتضي ذلك، وهي تتقدم في هذه الظروف عن أي مصلحة أخرى، وفق سرحان.
ويمكن للأسر التي ترغب في المحافظة على هذه المناسبة والعادة الاجتماعية المتوارثة، بحسب سرحان؛ إرسال هدية رمزية للمقربين بغض النظر عن قيمتها إلا أنها تذكر بالمناسبة، وأيضا تؤكد المسؤولية في مواجهة هذا الوباء وقد تكون وجبة طعام، على سبيل المثال، حتى لو كان هؤلاء الأشخاص غير محتاجين، فالدعوة في السابق كانت للعائلة والأرحام، لأن هدفها ليس ماديا بل هو معنوي يكرس القيمتين الدينية والاجتماعية. ويمكن أيضا اختصار الوليمة على عدد قليل جدا وإن كان في ذلك نوع من الخطورة أيضا، ويتطلب إجراءات من الحيطة والحذر، كاقتصارها على الإخوة والأخوات والجدين مثلا مع مراعاة شروط التباعد.
ويستدرك سرحان أن مثل هذا الأمر قد لا يكون بمقدور الجميع لأنه يتطلب نفقات إضافية، وغالبية الأسر في هذه الظروف بأمس الحاجة إلى ترشيد النفقات وهي أيضا قضية مهمة لا ينبغي إغفالها، فالعلاقات الأسرية والاجتماعية لا يجب أن تكون سببا في زيادة الإنفاق لأن ذلك سيجعل منها عبئا ثقيلا، وخصوصا في ظل جائحة كورونا والأعباء الاقتصادية الصعبة.
ويوصي سرحان أيضا بضرورة إدامة التواصل حتى وإن كان عن بعد في مثل هذه المناسبات لتأكيد قيمة العلاقات الاجتماعية مع الحرص على تذكير بعضنا بعضا بالالتزام، وأن يكون كل شخص قدوة حسنة للآخر، وأن لا يكون سببا في زيادة انتشار الوباء لأن الخطورة ستكون على الجميع، والإنسان المحب لأسرته وعائلته ومجتمعه هو الأكثر حرصا عليهم في مثل هذه الظروف.
ويقول “المحبة ونشر قيم الألفة داخل العائلة تعني بالدرجة الأولى الحرص على الجميع، وربما في مثل هذه الظروف، نحن أحوج ما يكون لمثل هذه القيم والمعاني”، وتكثيف الدور التوعوي كآباء وأمهات وأسر بضرورة الالتزام.
وبحسب اختصاصي علم الشريعة الدكتور منذر زيتون، فإن الناس اعتادوا أن يصلوا أرحامهم في شعبان وأن يقيموا بعض الاحتفالات التي تعبر عن سرورهم بقرب رمضان، ولعل مرجعهم في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن شعبان والذي قال فيه: “ذلك شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين”، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يصوم من شعبان أياماً كثيرة حتى يرفع عمله وهو صائم.
إلى ذلك، فإن ما يحل بالناس من وباء كورونا يوجب، بحسب زيتون، الالتزام بأسباب الوقاية والسلامة على الجميع درءاً للعدوى وتجنباً للتسبب بإصابة الآخرين، لاسيما كبار السن ومن يعانون من أمراض تجعل الإصابة بـ”كورونا” خطراً كبيراً عليهم، قد يسبب الوفاة.
ويدعو ديننا الحنيف، بحسب زيتون، إلى الأخذ بالأسباب وعدم الإضرار بالآخرين، فقول النبي صلى الله عليه وسلم “لا ضرر ولا ضرار” يعني عدم جواز القيام بأي عمل قد يسبب أو ينطوي على إيقاع الضرر بالآخرين مهما كان.
ويمكن لمن يحرص على صلة الرحم في شعبان، على وجه الخصوص، بحسب زيتون، أن يختار سبلاً أخرى غير الولائم والدعوات الجامعة من خلال التواصل الهاتفي أو من خلال بعض برامج التواصل الاجتماعي، أو عبر إرسال الهدايا أو المعايدات بوسيلة من وسائل التوصيل المنتشرة في البلد مع كلمة طيبة يكتبها أو يقولها بصوته.
ويضيف زيتون “إن كان لا بد من الزيارة فيمكن أن يقوم بها منفرداً أو مع عدد محدود من الأهل بما يحقق التباعد مع الآخرين ويجنبهم العدوى، والابتعاد عن المصافحة، مع الحفاظ على نظافة اليدين دائماً”، مبينا أن صلة الرحم وتحسين العلاقات مع الناس وتطييب خواطرهم أمر متاح دائما وبالوسيلة المناسبة، حتى يأذن الله تعالى برفع الغمة وزوال المرض ليعود الأمر على طبيعته.
كذلك، يمكن لمن يرغب بصلة الرحم، من وجهة نظر زيتون، أن يوكل بعض الجمعيات التي تسعى إلى عمل الخير بأن تقوم بتوزيع صدقات من الطعام والملابس ومساعدات مادية على الفقراء والمحتاجين والأرحام أيضاً، بما يحقق المطلوب من غير تجمع، والله تعالى يتقبل منه ويجزيه الخير، ولا شك أن الناس سيتفهمون موقفه من ذلك ويقدرون حرصه عليهم وعلى إيصال صدقته إليهم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock