فكر وأديان

“ولاية الفقيه”: أبعادها وآثارها في الواقع

أسامة شحادة*

أضحت “ولاية الفقيه” اليوم حقيقةً لها تأثيرٌ بالغ في الواقع، وذلك بعد أن كانت نظرية مجردة في الفكر الشيعي الإمامي المعاصر. وبرغم كثرة ورودها في وسائل الإعلام، إلا أن الغالبية العظمى من الناس لا تعرف بدقة ماهية هذه الولاية، وما هو مستندها، ومتى تبلورت هذه النظرية وعلى يد من، وما هي أبعادها وآثارها.
يقوم التشيع على أصل رئيسٍ هو الإمامة. ويعنون بها أن الله عز وجل لا يترك البشر من دون إمام معين منه، لهداية الناس وقيادتهم. وهو يواصل هداية النبوة، ويكون معصوما في أقواله وأفعاله. ويروون في ذلك روايات عديدة، منها ما رواه الكليني في الكافي: “لو أن الإمام رُفع من الأرض ساعة، لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله”.
لكن الفكر الشيعي الذي تبنى فكرة وجود إمام معين من قبل الله عز وجل، يكون من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الإمامة تنتقل بالوراثة في البكور من ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تعرض لمطبات في الواقع، أجبرت منظري التشيع على تطوير عقيدة/ فكرة الإمامة بحسب مفاجآت هذا الواقع. فالحسن بن علي بن أبي طالب، وهو الإمام الثاني في النظرية الشيعية، قام بالتنازل عن الإمامة السياسية للخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة 41هـ. فتعرضت النظرية الشيعية لهزة شديدة جداً، استدعت منظري التشيع إلى القول بتحول الإمامة من الحسن إلى أخيه الحسين بدلاً من ابن الحسن البكر. وبذلك، تحولت الإمامة تحولاً جذرياً من النسل الحسني إلى النسل الحسيني.
ومرة أخرى تعرضت فكرة وعقيدة الإمامة للمفاجأة في الواقع، بوفاة الابن البكر للإمام السادس جعفر الصادق في حياة أبيه. فهنا استحال انتقال الإمامة من الإمام السادس إلى بكره إسماعيل الإمام السابع. وحدثت بسبب ذلك تنازعات واختلافات وانشقاقات كثيرة في أوساط الشيعة، واستقر الخلاف بين خيارين رئيسين: الأول، هو الإصرار على إمامة إسماعيل ونفي وفاته، وعرف هؤلاء بالشيعة السبعية التي تؤمن بسبعة أئمة فقط، ويسمون أيضاً بالإسماعيلية، وهو الاسم المشهور. وهؤلاء هم من أسس الدولة الفاطمية. وهم في عصرنا الحاضر منقسمون إلى طائفتين: الآغاخانية، والبهرة.
أما الخيار الثاني، فتمثل في تجاوز نقل الإمام للبكر من أولاد الإمام السابع إسماعيل، إلى أخيه موسى. وبذلك حدث تحول جديد في مسار الإمامة من ذرية إسماعيل إلى ذرية موسى. وبقي الأمر حتى وصلنا إلى الإمام الحادي عشر؛ الحسن العسكري، الذي لم ينجب أولاداً، وانقطع بذلك نسل الأئمة!
هنا تدخل منظرو التشيع من جديد فقالوا بأن الإمام العسكري له ولد، لكنه مختفٍ وغائب! واختلف مؤرخو الشيعة في تاريخ ولادة هذا الولد، واسم أمه، ومتى اختفى، وكم كان عمره، على أقوال متناقضة.
وهنا فقط أعلن منظرو التشيع انتهاء سلسلة ولادة الأئمة وانتقال الإمامة في البكور من نسلهم، وأطلقوا عقيدة/ فكرة جديدة هي عقيدة الإمام المهدي الغائب، الذي يزعمون دخوله في السرداب بسامراء سنة 260هـ، وأنه سيظهر آخر الزمان ليقود البشرية للهداية. وهنا ساد الشيعةَ حالة السكون والانتظار لحين عودة المخلص بوصفه القائد والمعصوم.
ولكن لما طالت الغيبة ومر على الشيعة مئات السنين ولم يظهر الإمام المعصوم الغائب، تململ كثير من الشيعة وعلماؤهم، فنادى بعضهم بأن يتصدر الفقيه الشيعي ليكون وكيلاً عن الإمام في زمان غيبته، وأطلق على هذه الفكرة مسمى “ولاية الفقيه”؛ أي ولاية الفقيه عن الإمام المعصوم، وهو أمان للبشرية من الدمار! 
هذه هي خلفية “ولاية الفقيه” في الفكر الشيعي. أما عن تاريخ ظهورها ورموزها المهمين، فقد كانت شرارة البداية للفكرة حين تكونت الدولة الصفوية في إيران سنة 905هـ، فأعلنت الأسرة الصفوية تحولها إلى التشيع من التسنن، ليكون ذلك مبرراً لانفصالها عن بقية أولاد عمومتها التركمان بحكم مستقل. وهنا فرضت ضرورة السياسة شرعنة هذا الحكم الجديد باسم التشيع. لكنه أمر يتعارض مع العقيدة الشيعية التي تفرد الإمام المعصوم بالقيادة والحكم الديني والدنيوي. وهنا استعان الصفويون بعالم شيعي عربي من جبل عامل بلبنان، وهو الملقب بالمحقق الثاني، علي بن الحسين بن عبدالعال الكركي العاملي (ت 940هـ)، ليحل لهم المشكلة، ويبرم لهم شرعية إقامة دولة شيعية في غياب الإمام الحجة المعصوم. فاستدعى طهماسب ابن الشاه إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية المحقق الكركي ليشاركه في الحكم ووجوب الطاعة. وفعلاً، قام الكركي بهذه المهمة وقال: “اتفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل… فيجب التحاكم إليه والانقياد إلى حكمه” (رسائل الكركي، 1/ 14).
ولهذا، يعتبر البعض أن الكركي سبق الخميني في تولي العالِم الشيعي الحكم السياسي. وينازع في ذلك آخرون يرون أن الكركي كان واجهة يحكم من خلالها الصفويون، بينما الخميني كان عالما شيعيا سعى للحكم والولاية السياسية بنفسه.
عقب زوال حكم الصفويين الديني وسيادة حكم شبه علماني في إيران، عادت تلح فكرة الدولة الشيعية على بعض الفقهاء الشيعة، فظهر أحمد النراقي (ت 1185هـ) وأعاد طرح الدعوة لإقامة حكم شيعي يتولاه الفقيه. وقد طور النراقي الفكرة من حالة الكركي الذي أجاز الملوك في الحكم، إلى تجاوز نظرية الانتظار فدعا إلى تصدي الفقهاء بأنفسهم للحكم، حيث أعطاهم صلاحيات كبيرة جداً تكاد توازي صلاحيات المعصومين عند الشيعة، ولكن لم تتعدّ محاولة النراقي الطرح النظري.
ثم جاء الخميني (ت 1989م) فدعا للحكومة الإسلامية، وأصدر كتاباً بهذا العنوان العام 1970م في بيروت، هو عبارة عن محاضرات ألقاها في منفاه بالعراق. ولُب ولاية الفقيه عند الخميني أن غيبة الإمام قد تطول، وأوضاع المسلمين سيئة، ولا حل لبلاد الإسلام -وليس إيران فحسب- إلا بتوحيد المسلمين تحت راية دولة إسلامية تحطم الحكومات العميلة، وأن الحكام الحقيقيين للمسلمين هم الفقهاء. وعليه، فإنه يجب على الفقهاء العمل على إقامة دولة يحكمها الفقهاء.
يقول الخميني مقارناً الفقهاء بالإمام الحجة: “حجة الله تعني: أن الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، والله قد عينه، وأناط به كل تصرف وتدبير من شأنه أن ينفع الناس ويسعدهم، وكذلك الفقهاء: هم مراجع الأمة وقادتها” (الحكومة الإسلامية، ص 106). وعن وجوب سعي الفقهاء للحكم، يقول الخميني: “فالقيام بالحكومة وتشكيل أساس الدولة الإسلامية من قبيل الواجب الكفائي على الفقهاء العدول” (كتاب البيع 2/ 624).
وعن صلاحيات هذا الفقيه إذا تولى الحكم يقول الخميني: “وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا. ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية السياسية للناس ما كان يملكه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام” (الحكومة الإسلامية، ص 72).
ويرى الخميني أن الحكومة الإسلامية في إيران التي أسسها “هي استمرار لله على الأرض، وبالتالي فإن أي عصيان لقواعدها يرقى إلى التمرد على الله” (النداء الأخير “الوصية السياسية الإلهية”، ص 7). ويرى الخميني أيضاً أن سائر الحكومات في البلاد الإسلامية، عبر الزمان والمكان، من بعد استشهاد علي رضي الله عنه، هي حكومات مستبدة طاغوتية، إذ يقول: “بُعيد شهادة علي عليه السلام فقد اتخذ المستبدون والطواغيت من القرآن وسيلة لإقامة الحكومات المعادية للقرآن” (النداء الأخير، ص 2).   
وفعلاً، تمكن الخميني من تطبيق نظريته، وأصبحت “ولاية الفقيه” واقعاً قائماً في إيران. وينص الدستور الإيراني على اتباع الولي الفقيه “المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية”، وله صلاحيات واسعة جداً تعطل كل السلطات الأخرى مهما كانت منتخبة.
ما سبق كان عن تاريخ فكرة وعقيدة “ولاية الفقيه”، وكيفية انتقالها من الشعارات إلى حيز الواقع. أما آثارها وتبعاتها، فهي لا تقتصر على إيران؛ فكل من يؤمن بولاية الفقيه، يجعل من نفسه جنديا برهن إشارة الولى الفقيه، حتى ولو لم يكن مواطناً إيرانياً. ولعل أبرز مثال على ذلك هو حالة حزب الله في لبنان.
فأمين عام الحزب، حسن نصرالله، هو في نفس الوقت وكيل المرشد الأعلى الإيراني في لبنان! ليس هذا فحسب، بل يصارحنا نائب أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، في كتابه “حزب الله المنهج التجربة المستقبل” بأن قرار الحرب والسلم في حزب الله هو بِرهن قرار المرشد الأعلى الإيراني، بوصفه الولي الفقيه النائب على الإمام الحجة المعصوم والغائب. إذ يقول قاسم في مبحث ولاية الفقيه (ص 72): “وهو (الولي الفقيه) الذي يملك صلاحية قرار الحرب أو السلم”. ويبرر هذه الصلاحيات العابرة للحدود السياسية وكيانات الدول فيقول (ص 75): “لا علاقة لموطن الولي الفقيه بسلطته…”، و”الإمام الخميني (قده) كولي على المسلمين كان يدير الدولة الإسلامية في إيران كمرشد… وكان يحدد التكليف السياسي لعامة المسلمين في البلدان المختلفة في معاداة الاستكبار”.
ولعل هذا يفسر تناقض كثير من المواقف لأتباع “ولاية الفقيه” مع المصالح الوطنية لبلدانهم وأوطانهم، ولكنهم في الحقيقة منسجمون مع أفكارهم وعقيدتهم التي تلزمهم باتباع الولي الفقيه، مهما خالفت وصادمت المصالح الوطنية والقومية والتوافقات السياسية.

*كاتب أردني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock