فكر وأديان

“ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”

د. محمد المجالي

أعجب كثيرا ممن يخوضون في شأن الدين بلا علم، يحترمون كل تخصص ويصرّحون بأن أهل مكة أدرى بشعابها، ولكن عند الخوض في مسائل دينية، وربما كانت غامضة، وإذا بالجميع يدلي بدلوه، ويجتهد من دون علم بقواعد تلك المسألة أنّى كانت، ومن هنا يأتي الخلل، ومن هنا يضل الناس ويتيهون في معرفة الحقيقة، فلا بد لكل علم من أصول وقواعد يُعرف بها، وبغير ذلك تكون الفوضى والآثار السلبية بأشكالها.
لن أتحدث تحت عنوان هذه الآية عن الفساد المعروف الذي هو آفة المجتمعات والمعيق لتقدمها بل بقائها، حين يتبوأ قليلو الانتماء والورع والخبرة قيادة المؤسسات والشركات والمسؤوليات على عمومها، فهذه أمور معروفة، وما لم تكن هناك إرادة حقيقية وإدارة حكيمة لاجتثاثه فالأمور لا تبشر بخير أبدا، بل سيولّد الفساد فسادا آخر، ليصبح ثقافة اعتيادية، وهكذا العَفَن والسوس يتمددان حتى يطغيا على مادتهما، فهو الانحطاط والتراجع المجتمعي، والوصول به إلى أسفل سافلين، لتشيع الفوضى والفقر والجريمة وسوء الأخلاق وانهيار القيم.
يذكر القرطبي في تفسيره للآية أن أصح الأقوال في الفساد المقصود بهذه الآية هو التعميم، فقد نهى الله تعالى عن كل فساد قل أو كثر، بعد صلاح قل أو كثر، سواء كان هذا الفساد ماديا أم معنويا، فمن باب أولى أن يكون في سفك الدماء والهرج في الأرض ونشر الرذيلة والأفكار المغايرة لمنهج الله سبحانه، ويذكر القرطبي من أمثلته اشتغال الحكام بالتجارة، وقطع الشجر والتخريب عموما، ومرة أخرى فالتعميم أفضل حتى لا ينصرف الذهن إلى شيء محدد، فالصلاح معروف، والفساد معروف، تدركهما العقول السليمة قبل التشريع الحكيم.
كنت في رحلة للملكية الأردنية إلى شيكاغو قبل أيام، وأثارني وأنا أغادر الطائرة حجم الإفساد الذي تركه المسافرون على أرض الطائرة، كنت وزميلاي في الرحلة نشاهد مجموعة من المسافرين أمامنا، من بني جلدتنا، وبينهم قرابة بدليل حديثهم مع بعضهم وتبادل المنافع وتوزيع الطعام، فمن لحظة ظهور إشارة فك الأحزمة إلى قبيل وصولنا، والقوم وكأنهم كانوا صائمين ثم حل وقت الإفطار، والمشكلة أنهم يأكلون ويشربون وهم واقفون أمام الناس، حتى الآن فالأمر عادي نوعا ما، فالرحلة طويلة، والمشي يُنصَح به، ولكن المفاجأة كانت عند مغادرة الطائرة، والمرور على آثار هؤلاء القوم، لنجد أن أرضية الطائرة تحت مقاعدهم، هم وغيرهم، مليئة بمخلفات ما أكلوا من التسالي والطعام والشراب، والمناديل الورقية!!
هؤلاء مثقفون، وقطعا يحملون الجنسية الأمريكية، ويعيشون مواطنين في أمريكا، فلماذا هذا السلوك يا ترى، ما خلفية مثل هذا التفكير الذي دعاهم إلى التصرف هكذا؟ فمن جانب الدين والأخلاق نحن مأمورون بالإصلاح لا الإفساد، وديننا العظيم جعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة وشعبة من شعب الإيمان، والوازع الذاتي يأمر صاحبه أن يكون إيجابيا، فالتعامل هو مع الله، ويسأل أحدنا نفسه دائما في كل تصرف، كلاما أو عملا: هل يرضي الله تعالى أم لا؟ فلا أدري أهو تعمّد الإساءة لشركة طيران؟ أم لبلد تلك الشركة؟ أم هي قضية تربوية فوضوية؟؟ كل ذلك ممكن جعلني مصدوما من هول ما رأيت.
حدثني زميل عزيز أنه كان في مركبة أجرة، وعند نزوله من المركبة ألقى السائق في الشارع كأسا كان يشرب منه، وبعد أن ولّى أخذ هذا الزميل الكأس وألقاه في الحاوية، فرجع السائق ليعاتب الزميل على فعله (فالخطأ أصبح صوابا والصواب خطأ)، وبعد حديث معه تبين أن السائق كان يخشى أن يكون الراكب قد أخذ رقم السيارة ليبلغ عن صاحبها، ولكن الزميل بين له أن ما فعله يأتي في سياق الإصلاح والانتماء، فالمسلم لا يؤذي شيئا ولو كان حيوانا أو بيئة، وقص الزميل قصته على سائق آخر ليقول له السائق: لو كنت مكانك لما فعلت ذلك، فقال الزميل مستغربا: لماذا!؟ فأجاب: هذا البلد لا يستحق هذه المعاملة!!
يا سبحان الله، الحيوان يحنّ وينتمي لصاحبه وبيئته، وبعض بني البشر يعيشون أزمة تمرد على الفطرة والأخلاق والقيم والدين والمواطنة، فالله تعالى نهى عن أي شكل من أشكال الإفساد، وسياق هذه الآية جاء بين آيتين تحثان على الانكسار والانقياد لله تعالى، فقبلها يقول الله تعالى: “ادعو ربكم تضرّعا وخُفية، إنه لا يحب المعتدين”، ثم يقول بعدها مباشرة: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفا وطمعا، إن رحمة الله قريب من المحسنين”، فموضوع الإفساد المنهي عنه أحيط من قبل ومن بعد بهذه التوجه الخالص إلى الله تعالى بالدعاء، وهو سبحانه لا يحب المعتدين حتى في دعائهم برفع أصواتهم والمبالغة في تفاصيل الطلب، ووردت روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين في شأن هذا الاعتداء في الدعاء، وربما نعمّم الآية بأن المقصود أن لا يعارض دعاؤنا سلوكَنا، حين ندعوه تعالى تضرعا وخفية، تذللا واستكانة، ثم بعد ذلك نفسد في الأرض، بأي نوع من الفساد، فهذا لا يستقيم، ولا يمكن أن يعكس نفسا صحيحة صافية متذللة لربها، فلا بد من موافقة الحال للمقام.
عن الحسن البصري قال: “إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده زواره وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: “ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين”، وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: “إذ نادى ربه نداء خفيا””، فإن كان هذا في الدعاء، فما رأيكم بمن يعتدي بالإفساد أنّى كان نوعه!؟ فلنعلم أن رحمة الله تعالى قريبة من المحسنين، يستشعرونها بل يتذوقون حلاوتها، فلنراجع إيماننا ورقابتنا لله تعالى.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock