فكر وأديان

“ولا تقتلوا أنفسكم”

د. محمد المجالي*

ما أجمل أن نعي توجيهات ربنا لنا نحن المسلمين؛ فنحن أمة القيادة والريادة والسيادة. ولكننا بالفرقة والخلاف والتناحر، أمة الضعف والخور والمسكنة والمذلة؛ حين يقسو بعضنا على بعض، ويلعن بعضا بعضا، ويقتل بعضنا بعضا؛ حين لا تكون لنا قيم ولا أهداف حقيقية نسعى إليها. فالقوم الذين أريد لهم أن يكونوا هداة دعاة، يحملون همّ الأمة بل البشرية، يصبح بأسهم بينهم شديدا، وهم حينها أقرب إلى الضلال والجاهلية منهم إلى الإسلام الذي اشتق من السلم، ليبعث على السكينة والسعادة.
ولا تجوز لغة الدم والجهاد (وهي حاصلة لا محالة)، إلا مع الذين يقفون سدا أمام دعوة الإسلام، فلا بد من إزالتهم من الطريق. فالجهاد والقتال هما في سبيل الله لإعلاء كلمته، وللدفاع عن حمى المسلمين، وحين يكون البغي من المسلمين أنفسهم على بعضهم لصالح الأمة كلها. أما فيما بين المسلمين، أفرادا ومجتمعات، فهي مسؤولية الدولة أن تسوي الخلافات. وما قال أحد من المسلمين بأن يباشر الأفراد أخذ حقوقهم بأنفسهم وإقامة العقوبة بأنفسهم، بل هي مسؤولية ولي الأمر، وإلا كانت الفوضى التي لا تُحمَد عقباها، ولن يسلم منها أحد.
حين يقول الله تعالى: “ولا تقتلوا أنفسكم” (النساء، الآية 29)، يُفهم منها مباشرة عدم شروع الإنسان في قتل نفسه. وهذا أمر بدهي نهى الإسلام عنه بوضوح، لأي سبب من الأسباب. ويدخل في الآية كل ما يؤذي النفس الإنسانية ويؤدي إلى قتلها ولو بعد حين؛ كالتدخين والمسكرات والمخدرات وغيرها، فهو قتل بطيء كما يوضح الأطباء قبل الشرعيين. ولكنني أقف عند المفهوم الأعم للآية، وهو مفهوم يقوم على التكافل والنظرة الإنسانية المجتمعية؛ حين ينظر الإسلام إلى الفرد لا على أنه مجرد فرد منبوذ لا قيمة له، بل هو فاعل مؤثر مهمّ، وهو لبنة لا يستهان بها في بناء المجتمع، له دوره وواجبه، وإلا كان عالة، وربما كان مصيبة تفتك بالمجتمع. فالإسلام ينظر إلى المجتمع كله على أنه كالنفس الواحدة، ولهذا قال العلماء في هذه الآية أن لا يقتل بعضنا بعضا؛ فالمؤمنون كنفس واحدة، فمن قتل نفسا فكأنما قتل نفسه، وهكذا.
وذهب بعض المفسرين إلى تعميم النهي بأن لا نفعل المعاصي وننتهك المحارم؛ فهذا قتل للنفس. وذهب آخرون إلى أن لا يكلف أحدنا نفسه عملا فوق طاقتها فيهلك. وهذه كلها مقبولة ممكنة. ومن الجميل أن تكون الفاصلة بعدها: “إن الله كان بكم رحيما”؛ فالدين في عمومه هو رحمة وسعادة، ولم يكن القرآن ولا الإسلام إلا سعادة، وما أنزل الله  القرآن ليشقى النبي وأمته، بل للسعادة والهناء والرخاء والحضارة.
وفي المقابل، نجد أنفسنا مرة أخرى وأخرى عاجزين أمام ظاهرة العنف المجتمعي. فهي ظاهرة تزداد يوما بعد يوم، ولا نجد التوجه الجاد في علاجها؛ سواء على مستوى الجامعات، أو المجتمع نفسه من خلال كثرة الجرائم وشيوع ظاهرة الانتحار. وأنا على يقين أن المسألة متراكمة ومتشابكة، ولا يمكن أن يكون الحل في الجامعة فقط، أو داخل الأسرة فقط، أو عبر التوجيه الإعلامي أو التربوي المدرسي أو الديني، ولا بالعقوبات وحدها، بل لا بد من تكاتف هذه كلها.
على صعيد الجامعات، هناك أجواء من الحرية الزائدة يجدها الطالب متاحة أمامه، ربما لأول مرة في حياته، أريد منها أن يستشعر أنه كبير يتحمل المسؤولية، وينظر في مستقبله ومستقبل أمته ويرتقي بعلمه. ولكنه حين يقزّم نفسه، ويصبح أسير شهواته، حينها يسقط في الخسة والذلة، ويخسر قيمته وعلمه وكرامته، ويبدأ حينها بالبحث عن ذاته التي فقدها علميا؛ فربما تنقذني العشيرة أو الشلة التي أنتمي إليها، وربما برفع صوتي وتصرفاتي أمام المجموعة أشعر الآخرين بأنني ذو كيان. ومع الفراغ الذي يعيشه (خاصة في الكليات الإنسانية، وإلا فلماذا تندر الظاهرة في الكليات العلمية؟)، واللامبالاة التي ربما تكون عند بعض المدرسين في التدريس وأخذ الغياب وطبيعة الامتحانات وجدية المادة العلمية وقوتها، حينها نزيد في جهل الطالب وتفلته واعتماده على الآخرين، ويبقى لا يلقي للمادة العلمية أي بال.
هناك هبوط في القيم عند قطاع عريض من الطلبة، ومخالفات شرعية كثيرة. فمنظر الطالبة لا يوحي بأنها طالبة علم. وهنا أتساءل: ألا تراها أمها أو أبوها؟ وهل من متطلبات الجامعة أن تكون الطالبة في أشد حالة من الإغراء لباسا وتزينا!؟ وهل الجامعة معرض أزياء أم معرض فكر وعلم ومعرفة وثقافة؟! أما الشباب، فقد ماتت الرجولة عند بعضهم؛ فلا يغار على نفسه ولا على عشيرته ولا على دينه وأمته، ولا يعلم أنه كما تدين تدان.
وعلى الصعيد المجتمعي، هناك إهمال في التوجيه الأسري والمدرسي والمسجدي والإعلامي؛ هناك غياب الآباء والرقابة الذاتية المتصلة بالله تعالى، أن يصبح أحدنا رقيبا على نفسه لعلمه بأن الله يراه ويسمعه، فهو سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وحين يملك هذا الشعور على الإنسان مشاعره، فهو لا بد إيجابي، منتج، صالح، مصلح.
كذلك، هناك إهمال في العدالة، مما يتيح للإنسان التمرد والاعتداد بالنفس وارتكاب الحمق والاعتداء على الآخرين، لأنه يظن أن حقه لا بد من أخذه بيده، ومن هنا كان العدل أساس الحكم.
إن غياب القيم الإنسانية، من احترام للآخر واحترام للنفس الإنسانية وحرمتها، يتيح للإنسان الاستهتار بالحياة والقانون. ولذلك كانت العقوبات في الشريعة، لردع كل من تسول له نفسه العبث بأمن الناس، ولا تجوز فيها الشفاعة وإلا كانت الفوضى. ومقولة الرسول صلى الله عليه وسلم ناصعة في التاريخ: “والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. فحين تغيب العدالة، تغيب هيبة الدولة تلقائيا، وحينها تشيع الفوضى، ويستشعر أحدنا الظلم فيأخذ حقه بيده.
أما ثقافة الشرف بهذه الطريقة المتطرفة، فالمشكلة بيتية أسرية. ولو كان التمرد من جهة البنت مثلا، فلا يجوز بحال أن يباشر الأب أو الأخ ما يسمى بغسل العار. فالسبب هو أنت أيها الأب حين قصرت في التربية والتوجيه، وأنت أيها الأخ؛ فلو كنتما قدوة لما فعلت البنت ما فعلت، هذا إن كانت الفاحشة قد تمت، فكيف ولا دليل على ذلك، وكم من فتيات قتلن ظلما وعصبية!
نحتاج إلى منظومة متكاملة من التوجيه، ونحتاج دولة راشدة ترعى المصالح كلها. وإذ لا يمكن لمن فقد الأهلية أن يرعى شؤون الناس، فلا بد من الكفاءة التي تقود إلى العدالة، ومن ثم إلى السعادة.

*أكاديمي أردني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. سورة الفاتحة المرفقة
    رجاء التدقيق في سورة الفاتحة المرفقة مع المقال
    ترقيم الايات؟
    عدد ايات السورة؟ هل هي 7 ايات ام 6 كما هو في الصورة؟

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock