أفكار ومواقف

“ولا تنابزوا بالألقاب”

قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11}.
لا تلمزوا أنفسكم: لا يعيب ولا يطعن بعضكم بعضاً.
ولا تنابزوا بالألقاب: لا تداعوا بالألقاب المستكرهة، ولا تنادوا غيركم بلقب يكرهه.
ولكن الناس مع ذلك بمن فيهم المسلمون يستمرون بإطلاق الألقاب المستكرهة على غيرهم، وبخاصة في القرى لأنهم يعرفون بعضهم بعضاً، ويلقبون الواحد منهم فوراً بمجرد هفوة، أو كلمة، أو حادث… أما في المدينة وما خلا الألقاب الموروثة فإن المرء يحصل على لقبه من حرفته أو مهنته أو طبيعة عمله.
موضوعنا هنا هو الألقاب غير المستكرهة وهي أنواع: ارستقراطية، أو طبقية، أو دينية، أو مهنية، أو أكاديمية، أو رسمية مدنية وعسكرية…
تنشأ هذه الألقاب في كل مجتمع أو إدارة مرتبة هرمياً، وكل لقب فيهما يدل على مرتبة، أي أين يقع صاحبه على السلم، ومن لا لقب له، فلا قيمة له، كما كان عليه الأمر في المجتمع الإقطاعي الأوروبي مثل القن والعبيد… وكان لكل لقب خطابه الخاص به. وغالباً ما كان يصاحب اللقب الرفيع إيماءه خاصة من صاحب اللقب الأدنى، مثل انحناءة الرأس، أو تقبيل اليد أو الخدين أو الأنفين، أو الانحناء أو الركوع…
أي أن الإيماءة كانت تحدد مرتبة الواحد نحو الآخر. وكان الناس يلبسون ألقابهم، فيضعونها على رقاب قباتهم، أو على أكتافهم، أو على صدروهم، أو على أذرعهم… للدلالة عليها كعنوان لهم. ويعلق الأستاذ مايكل والز على ذلك بقوله: لقد كان ذلك لغة او أمراً ملائماً في المجتمع الهرمي في ذلك الزمان، فاللقب كان – ولا يزال – بمثابة اعتراف فوري بصاحبه. وهو في المجتمع الأرستقراطي – كما كان في مصر مثلاً قبل ثورة 1952- مرئي وكان لكل لقب مسرحه الخاص.
أما المراتب الدنيا في المجتمع الإقطاعي فقد كانت تلقب بالجملة مثل لقب القن أو العبيد أو الخدم، لأنه لم يكن لها ألقاب تفرّقها عن غيرها يعرفون بها. ثم لم يكن لهم مسرحهم الخاص. كانوا كالكمبارس الذين يعملون وراء الستار.
كان بإمكان صاحب اللقب أن يمدح أقرانه، أو يقدحهم، ولكنه لم يكن يفعل (قدحاً) بمن هو أعلى مرتبة/ لقباً منه.
ويذكر والز أن بعض الألقاب كانت تشترى بالمال، في دلالة أن المال يتقدم بالقيمة على المرتبة. أو يمنح في دلالة، أن السلطة أو القوة تتقدم على المرتبة. ونظراً لأهمية اللقب فقد كان صاحبه يدافع عنه. وكان يتم ذلك في بعض الأحيان بالمبارزة. ويضيف والز: وعندما كانت المراتب الدنيا تتحدى المراتب الأعلى لا تقع مبارزة، بل ثورة. وقد كانت الثورة الديمقراطية أقواها في التاريخ لأنها أطاحت بالألقاب المدنية جميعاً، مهنية الأمر بتوزيع لقب واحد على الجميع، وهو لقب السيد (Mr.) ولكن أصحاب البديل الثوري رفضوا هذا اللقب، مفضلين لقب: الأخ، أو الرفيق، أو المواطن عليه.
ولما لم يغط لقب السيد(Mr.) المرأة فقد أعطوا لقب السيدة للمتزوجة (Mrs.) ولقب الآنسة لغير المتزوجة (Miss). غير أن ذلك لم يحل المشكلة تماماً مما دعا إلى استحداث لقب جديد خاص بالمرأة في جميع الأحوال، وهو مز (Ms) الذي لا يقابله في العربية كلمة تدل عليه.
لعل استثناء النساء من لقب واحد مشترك كالرجال، دليل على استمرار التمييز ضدها لصالح الرجل في الفضاء الاجتماعي، وبخاصة في اللغة العربية حيث لفظ المذكر يعني المؤنث أيضاً. ولكن هذا الوضع أخذ يتغير بتأثير حركة حقوق الإنسان.
يقول ثوماس هويز: المساواة في الألقاب مساواة في الأهمية، ثم في التنافس العام، وأن يكون المرء منبوذاً أفضل من أن يكون غير مرئي [كما في اللغة العربية بالنسبة للمرأة] .
وإلى أن يتم العثور على لقب ما واحد للمرأة فإنني اقترح اختيار واحد مما يلي: الكريمة؛ العزيزة؛ اللطيفة؛ النبيلة؛ المحترمة؛…؛ بدلاً من لقب الاستاذة الذي استخدمه.
وأخيراً أنبه القارئ المحترم إلى التفريق بين الأوسمة والجوائز التي تمنح لخدمات أو لانجازات متميزة والألقاب.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock